عندما يفكّر أي لبناني، أو أي عربي، بل حتى أي أجنبي متعمّق في أوضاع لبنان والمنطقة، في اسم رفيق الحريري، تتداعى فوراً أمامه صورة مركّبة الأبعاد لرجل تحوّل إلى ظاهرة استثنائية، سواء على المستوى الشخصي أو في إطار مشروعه الوطني المتكامل بأبعاده العربية والدولية.
فقد انتزع الحريري الإعجاب والتقدير من كل من تابع حقبةً بكاملها من تاريخ لبنان الحديث، تلك الحقبة التي اقترنت باسمه إلى حدٍّ دفع بعض كبار الكتّاب والصحافيين إلى تسميتها «زمن رفيق الحريري».
ومع اغتياله، لم ينطفئ هذا الزمن، بل تكرّس أكثر في الوعي اللبناني والعربي كمدرسة سياسية قائمة بذاتها، تُدرَس في العلوم السياسية كنموذجٍ فريد يجمع بين التجربة العملانية والبُعد المؤسسي والفكري المتراكم، ويُشار إليها بوصفها إحدى التجارب التي أثّرت في جيلٍ كامل من النخب اللبنانية والعربية.
لقد شكّلت الحريرية السياسية، بما تمثله من فكر ونهج، تجربةً غير مسبوقة في تاريخ لبنان الحديث. فهي لم تكن مجرّد مشروع لإعمار وطنٍ خرج من الحرب، بل رؤية متكاملة لبناء دولة حديثة تتقاطع فيها المصالح الوطنية مع الاعتبارات الاقتصادية والتنموية والاجتماعية. انطلقت هذه المدرسة من قناعة عميقة بأن النهوض الوطني لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن الاستقرار السياسي والتوازن الإقليمي، وأنّ الاقتصاد المزدهر يشكّل الركيزة الأهم للحفاظ على السلم الأهلي وترميم الهوية الوطنية الجامعة.
ولعلّ ما ميّز رفيق الحريري أنه لم يأتِ من خلفية حزبية أو عقائدية ضيقة، بل من المدرسة الواقعية البراغماتية التي تؤمن بأن السياسة هي فن الممكن، وأنّ الإصلاح لا يُفرض من فوق بل يُبنى بالحوار والشراكة. فجمع بين الرؤية الاقتصادية الحديثة والحنكة الدبلوماسية، وبين الحسّ الوطني العميق والانفتاح العربي والدولي، في توازنٍ نادرٍ أضفى على مشروعه طابعاً استثنائياً جعل منه رجل دولة أكثر من كونه زعيماً تقليدياً.
لقد سعت الحريرية إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس الكفاءة والمحاسبة، وإلى تحويل بيروت إلى مركز اقتصادي وخدماتي على مستوى الشرق الأوسط. غير أنّ هذه المدرسة لم تكن محصورة في البنية الاقتصادية فحسب، بل امتدت إلى ثقافة سياسية جديدة تقوم على الاعتدال، واحترام التنوّع، وإعلاء مفهوم الدولة المدنية الجامعة. ومن هنا برزت الحريرية كمشروع وطني عابر للطوائف، استطاع أن يجمع اللبنانيين حول فكرة الوطن لا الطائفة، والمؤسسات لا الزعامات.
ومع مرور الزمن، تحوّلت الحريرية إلى إطار فكري إصلاحي تتنازعه التحديات الداخلية والإقليمية، لكنه ظلّ مرجعاً في فهم العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، وبين التنمية والاستقرار. لقد أدرك الحريري باكراً أن لبنان لا يمكن أن ينهض إلّا بانفتاحه على العالم العربي والغربي معاً، من دون أن يفقد خصوصيته الثقافية وهويته الوطنية. وهذه الرؤية بالذات هي ما جعلته يحظى باحترامٍ عربي ودولي نادر، إذ نجح في وضع لبنان على خريطة العلاقات الدولية الفاعلة، بعد أن كان غارقاً في عزلة الحرب.
فبعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية في التسعينات، واجه لبنان تحدّيات هائلة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إذ كانت الدولة منهكة ومؤسساتها عاجزة عن فرض سلطتها، بينما تدهورت البنية التحتية والمرافق العامة، وتراجع الاقتصاد بشكل كبير. في هذا السياق، برز رفيق الحريري كقائد سياسي ومهندس اقتصادي قادر على الجمع بين إعادة بناء الدولة داخلياً وتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية، جامعاً بين الإصلاح الاقتصادي والاستقرار السياسي، ومتبنّياً رؤية تنموية شاملة ترتكز على السلام الداخلي والتنمية الاقتصادية المتوازنة.
ساهم الحريري بشكل بارز في تطبيق بنود اتفاق الطائف، الذي أنهى الحرب الأهلية ونظّم توزيع السلطة بطريقة تقلل من الاحتقان الطائفي مع الحفاظ على وحدة الدولة اللبنانية. عمل على تفعيل مؤسسات الدولة وبناء قدراتها، وإعادة دمج الجيش والأجهزة الأمنية لضمان سيادة الدولة على كامل أراضيها، كما قام بالوساطة بين الطوائف لتعزيز الاستقرار الداخلي ومنع تجدّد النزاعات الطائفية. وقد أُبرزت جهوده في الدراسات الأكاديمية والمصادر الدولية بوصفه لاعباً رئيسياً في تسوية الشروط الاقتصادية والسياسية للسلام وربط الأطراف المحلية والدولية لتحقيق توافق مستدام.
على صعيد التنمية الاقتصادية، أطلق الحريري مشروع إعادة إعمار بيروت، الذي اعتُبر الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط بعد الحرب، وشمل إعادة بناء وسط المدينة وتطوير البنية التحتية على نطاق واسع. لم يقتصر المشروع على الأحياء المتضررة فقط، بل امتد ليشمل تحديث الطرق والمواصلات، شبكات الكهرباء والماء، المرافق العامة، المناطق التجارية والسكنية، اضافة الى تحديث وتوسعة المطار والمرفأ، وإنشاء مجمع هائل وعصري لتوحيد جميع كليات وفروع الجامعة اللبنانية، فضلاً عن إنشاء مستشفى حكومي نموذجي في العاصمة، ليتبع مستشفيات مماثلة في أغلب المحافظات، كذلك استحداث شبكة واسعة من المدارس الرسمية والمهنيات.
وشمل المشروع أيضا إشراك القطاع الخاص في عملية التنمية، بما يعكس قدرة الدولة على الجمع بين التمويل المحلي والدولي، ويخلق فرص عمل واسعة ويحفّز الاقتصاد اللبناني على المستوى الداخلي والخارجي. هذا المشروع، الذي شمل آلاف الوحدات السكنية والمباني التجارية، لم يكن مجرد تطوير عقاري، بل رمزاً للدولة الحديثة وقدرتها على إعادة ترتيب حياتها المدنية والاقتصادية، واستعادة الثقة بين المواطنين والمستثمرين الدوليين.
على الصعيد الدولي، أعاد الحريري بناء الثقة بلبنان من خلال استقطاب التمويل العربي والدولي، والتنسيق مع المنظمات العالمية لضمان الشفافية والمصداقية، وتوطيد العلاقات مع الغرب والسعودية. وقد ساهم هذا النهج في تقديم لبنان كدولة مستقرة وجاذبة للاستثمار، بعيداً عن التأثيرات الإقليمية المباشرة، وجعل منه لاعباً موثوقاً على المستوى الإقليمي والدولي.
كما ركّز الحريري على الربط بين السلام الداخلي والتنمية الاقتصادية، فاستثمر في البنية التحتية، وأطلق إصلاحات اقتصادية لتعزيز الاستثمارات وخلق وظائف، ووضع معايير للعدالة والمساءلة لتعزيز مصداقية الدولة داخلياً وخارجياً. وقد شملت هذه السياسات تطوير قطاع الاتصالات، تحسين الخدمات العامة، تحديث المرافق التعليمية والصحية، وخلق بيئة تنظيمية مستقرة تشجع على المشاريع الصغيرة والمتوسطة والكبيرة على حد سواء.
بفضل هذا النهج المتكامل، أصبح مشروع رفيق الحريري نموذجاً متكاملاً للدولة الحديثة، جامعاً بين إنهاء الحرب، ترسيخ الاستقرار الداخلي، وإعادة لبنان إلى مكانته الطبيعية على الخريطة الإقليمية والدولية، مع تنفيذ أضخم مشاريع الإعمار في الشرق الأوسط، ما جعل بيروت رمزاً للنهضة والإعمار بعد سنوات من الانحدار. وقد أظهرت هذه الجهود قدرة الدولة على الابتكار في إدارة المشاريع الضخمة، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، بالإضافة إلى إعادة لبنان إلى موقعه كمركز اقتصادي وتجاري في المنطقة.
بالنسبة للحريري، إعادة الإعمار لم تكن مجرد عملية هندسية أو خطة اقتصادية، بل مشروع فلسفي شامل. لقد رأى أن لبنان لا يمكن أن يقوم إلّا إذا ارتبطت التنمية الاقتصادية بالاستقرار الاجتماعي، وإذا عملت الدولة والمؤسسات بشكل فعّال، وإذا أصبح المواطن محور كل مشروع وطني.
كانت فلسفته تقوم على الاعتقاد بأن الدولة ليست مجرد سلطة، بل كيان حيّ يمكّن الإنسان ويضمن كرامته وحقوقه الأساسية.
كان يؤمن الحريري بأن أي خطة للتنمية الاقتصادية أو إعادة الإعمار يجب أن تضع الإنسان في قلبها. المدارس والمستشفيات ومشاريع الإسكان لم تكن مجرد بنية تحتية، بل وسائل لإعادة كرامة المواطن وإعادة بناء ثقته بالدولة. كما كان يرى الحريري أن المجتمع المستقر هو مجتمع يملك الفرصة للتعليم والعمل والحياة الكريمة، وأن هذه القِيَم يجب أن تكون محور أي مشروع وطني.
ولذلك، ركّز في كل مبادرة على الفرد والمجتمع ككائنين متكاملين؛ المواطن الذي يستفيد من التنمية هو ذاته الذي يساهم في استدامتها. هذا التوازن بين العطاء والاستفادة هو جوهر فلسفة الحريري، مبرهنا على رؤيته العميقة التي تجمع بين الاقتصاد، الاجتماع، والسياسة في إطار واحد.
إلى جانب التركيز على الإنسان، كان الحريري يعتقد أن المؤسسات هي العمود الفقري لأي مشروع وطني مستدام. فالدولة بدون مؤسسات قوية وكفوءة، مهما كانت المشاريع طموحة، ستظل هشّة أمام الأزمات. لذلك، ارتبط مشروعه الإعماري والاقتصادي بإصلاح مؤسسات الدولة، الوزارات، القضاء، الإدارة العامة، والهيئات الدستورية، والقوى العسكرية والأمنية.
كان الهدف من ذلك واضحاً؛ ضمان استمرارية التنمية بعد رحيل القائد، وتعزيز الشفافية والمساءلة في كل مستوى من مستويات الحكم. هنا تظهر فلسفته السياسية؛ الاستقرار لا يتحقق بالإنسان وحده، بل بالمؤسسة التي تمكّنه وتحميه.
يمكن النظر إلى مشروع الحريري على أنه مختبر فكر وفلسفة على أرض الواقع. فهو لم يكتفِ بإعادة بناء المباني، بل حاول اختبار مفاهيم العدالة الاجتماعية، التوازن الطائفي، التنمية الاقتصادية، ودور الدولة في حياة الإنسان.
في كل قرار، من إعادة فتح شارع رئيسي إلى إنشاء مدرسة جديدة، كانت هناك فلسفة عميقة تعمل على توحيد المجتمع، إعادة الثقة، وتعزيز الانتماء الوطني. هذا النهج يجعل من تجربة الحريري نموذجاً نادراً لدراسة العلاقة بين الإنسان والدولة والمجتمع في سياق التنمية المستدامة والديمقراطية الحديثة.
إن قراءة مشروع رفيق الحريري لا تقتصر على المباني والساحات، بل تمتد لتشمل الأفراد، المجتمع، والمؤسسات. إنه مشروع يرى الدولة ليست مجرد سلطة، بل بيئة حاضنة للإنسان، محفّزة للإبداع، وضامنة للاستقرار والتنمية.
تجمع تجربة رفيق الحريري بين الفلسفة السياسية، التنمية الاقتصادية، بناء المجتمع المدني، وإدارة العلاقات الدولية، لتشكّل نموذجاً فريداً للدولة الحديثة.
فلسفته المتكاملة تجعل من المواطن محور كل مشروع، ومن المؤسسات العمود الفقري لاستدامة التنمية، ومن الانفتاح الدولي أداة لتحقيق الاستقرار والازدهار الوطني.
إن دراسة هذه التجربة تمنح الباحثين والمهتمين بالدولة الحديثة، التنمية المستدامة، والسياسة الدولية، مثالاً حيّاً على كيفية ربط الإنسان، المجتمع، الاقتصاد، والدولة في رؤية وطنية واحدة متكاملة.
اليوم، وبعد مرور أكثر من عقدين على غياب رفيق الحريري، يبدو لبنان في أمسّ الحاجة إلى إعادة إنتاج تلك التجربة بصيغةٍ تحديثيةٍ وتطويرية.
فالحريرية، بما حملته من فكرٍ إصلاحيٍّ جامع، لم تكن مجرّد مرحلةٍ سياسية، بل مشروعاً وطنياً متكاملاً لبناء الدولة واستعادة ثقة اللبنانيين بأنفسهم وبوطنهم. غير أن تحوّلات الداخل وانهيارات العقدين الأخيرين، أفرغت جوهر هذه المدرسة من مضمونها الإصلاحي، وأفقدت لبنان توازنه الاقتصادي والاجتماعي والدستوري.
من هنا، فإن إعادة صياغة «الحريرية» بروحٍ جديدة تتلاءم مع تحديات العصر الرقمي والاقتصاد الحديث، ومع متطلبات الشفافية والمساءلة، لم تعد خياراً سياسياً بل ضرورة وطنية لإنقاذ الدولة من التآكل وإعادة إطلاق مشروعها التأسيسي على أسس علمية ومؤسساتية راسخة.
إنها ليست دعوةً إلى استنساخ الماضي، بل إلى استلهام فلسفته وبعثها في مشروع وطنيٍّ جديد يؤمن بأن لبنان لا يُبنى إلّا بالتلاقي، ولا ينهض إلّا بالدولة، ولا يزدهر إلّا بانفتاحه على العالم وارتكازه على الإنسان كمحورٍ لكل نهضة.
(- يتبع: انهيار التجربة بين التحوّلات السياسية وسقوط المشروع)