تحمل زيارة الشيخ بهاء رفيق الحريري إلى بيروت أبعاداً تتجاوز الطابع الشخصي أو العائلي، لتدخل في صلب المشهد السياسي اللبناني المتعدّد الأزمات، في ظل غياب المرجعيات الجامعة وتنامي القلق الشعبي من المستقبل.
فعودة الشيخ بهاء تأتي في توقيت بالغ الحساسية، سواء على مستوى الداخل اللبناني الذي يعاني من شلل مؤسساتي وأزمات اقتصادية واجتماعية متراكمة، أو على صعيد التحوّلات الإقليمية المتسارعة التي تفرض إعادة تموضع سياسي وفكري، بما يتجاوز منطق الاصطفافات التقليدية.
من هنا، فإن عودة الشيخ بهاء إلى الساحة اللبنانية تُعتبر ذات دلالة خاصة، لا سيما أن مشروعه السياسي واضح المعالم، يستند إلى إرث والده الشهيد رفيق الحريري، لكنه لا يكتفي باستحضار الماضي، بل يطرح نفسه شريكاً في بناء مستقبل مختلف، برؤية إصلاحية حديثة، ترتكز على الدولة، لا على الزعامة، وعلى السيادة، لا على المحاور.
وفي أولى محطاته الرسمية أمس فقد زار دار الفتوى، حيث التقى مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، مؤكداً خلال اللقاء أن «أهل السنّة، بجذورهم التاريخية العميقة، يشكّلون ركنا أساسيا في نسيج لبنان، وأن دار الفتوى تبقى مرجعية وطنية جامعة». كما شدّد على ضرورة تجاوز الانقسامات وتعزيز التلاقي بين السنّة والشيعة لحماية الوطن من محاولات التفكك، خصوصاً في ظل التحوّلات الإقليمية المتسارعة التي تفرض مقاربات جديدة لبناء مشروع إنقاذي قائم على العدالة والسيادة والمواطنة.
ومن دار الفتوى الى البلمند انتقل الشيخ بهاء الحريري والتقى بالبطريرك يوحنا العاشر في جامعة البلمند، حيث شدّد على عمق العلاقة التاريخية بين الروم الأرثوذكس وأهل السنّة، معتبراً أن التلاقي المسيحي - الإسلامي يشكّل ركيزة أساسية في بناء لبنان الجامع، ومساراً مصيرياً لمواجهة التحدّيات وصون رسالة العيش المشترك.
هذا الخطاب الجامع يعكس بوضوح تمسّك بهاء الحريري بنهج الاعتدال والانفتاح، ورفضه للخطابات الطائفية التي تسعى إلى العزل أو الإقصاء، في مقابل دعوته المستمرة لدمج كل المكوّنات في مشروع الدولة.
ومن المنتظر ان يكون للشيخ بهاء أيضا سلسلة من اللقاءات مع عدد من الشخصيات السياسية والروحية والدبلوماسية والاجتماعية، وهو ما يشكّل مقدّمة لتحرّك وطني شامل يهدف إلى استعادة التوازن داخل الساحة اللبنانية.
ومن المتوقّع أن يضع الشيخ بهاء نفسه وخبرته وعلاقاته الدولية في خدمة لبنان وشعبه، انطلاقا من قناعة راسخة بأن خلاص لبنان لا يكون إلّا عبر دولة عادلة، قوية، سيدة، مستقلة، وأن التغيير لا يمكن أن يتحقّق إلّا من خلال مقاربة وطنية شفافة وعابرة للطوائف.
وفي مواقفه الأخيرة، بدا واضحا أن بهاء الحريري يقرأ التحوّلات الجارية بعين واقعية سياسية، حيث اعتبر أن «المنطقة تشهد تحوّلاً كبيراً، ولبنان أمام فرصة ضخمة ليكون جزءاً من هذا المسار»، وهي مقاربة تنطلق من فهم عميق للتوازنات القائمة، وتهدف إلى إعادة طرح «الحريرية السياسية» كنهج جامع، يعيد الاعتدال إلى قلب الحياة الوطنية، ويمنح اللبنانيين أملاً بإمكانية التغيير السلمي والمؤسساتي.
لذلك، وفي ظل انسداد الأفق السياسي وغياب الخيارات الجديّة، تأتي عودة الشيخ بهاء الحريري لتشكّل رافعة جديدة للنقاش حول مستقبل لبنان، وتمنح الطيف السنّي خصوصا واللبنانيين عموما مساحة للتفكير بمسار جديد، يدمج بين الإرث التاريخي والرؤية المستقبلية، ويضع البلاد على سكة الإنقاذ.