بيروت - لبنان

اخر الأخبار

29 حزيران 2026 12:00ص بهيج طبارة.. العقل القانوني الذي أطفأه الغياب

حجم الخط
رحل بهيج طبارة، فرحل معه آخر من كان يعرف كيف يُفرّق بين القانون والسياسة، بين الدولة والزعامة، بين العدالة والولاء. غاب «العقل القانوني» والوجه الدستوري الأبرز لمشروع بناء الدولة في مرحلة ما بعد الحرب، تاركاً وراءه فراغاً لا يُعوّض، وأسئلة قلقة حول مآل وطنٍ باتت فيه «الولاءات الضيقة» تتقدم على الكفاءة، وصوت الاستقطاب يعلو فوق صوت المؤسسات.
لم يكن الرجل الذي نفتقده مجرد وزير عدل مرّ في حكومات وانتهى؛ بل كان ظاهرة نادرة في بلد نادراً ما يُنتج أمثاله: رجل قانون بالفطرة والدراسة، ورجل دولة بالضمير والاختيار، في زمن باتت فيه الدولة مفردةً للتزيين لا للبناء.

•الشراكة التأسيسية: ميزان «الرفيق» ودستورية المشروع

منذ اللقاءات الأولى في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، نشأت بين المحامي الرصين ورجل الأعمال الطموح رفيق الحريري كيمياء فريدة، تحوّلت سريعاً من تعاون مهني واستشاري إلى شراكة فكرية وسياسية عميقة. وجد الحريري في طبارة المظلة الدستورية والغطاء القانوني القادر على تأمين الإطار الشرعي لمشاريعه الطموحة لإعادة إعمار لبنان، بينما وجد طبارة في الحريري فرصة فريدة لترجمة أفكاره الإصلاحية ضمن مشروع وطني واسع.
كان طبارة، كما وصفه الراحل سمير قصير عام 1994، «الواجهة القانونية لمشروع الحريري، والحاجز العقلاني الذي يوازن بين اندفاع المال وتوازنات السياسة». ولم يكن غريباً أن ينال ثقةً مطلقة من الرئيس الشهيد، الذي اختصر مكانته يوماً بالقول: «توقيع بهيج يكفيني». وفي هذه الجملة القصيرة خلاصة عمر كامل من الثقة النادرة في عالم السياسة اللبنانية، حيث لا شيء يكفي غير محاضر الولاء المختومة بالخوف.

• إرث وزارة العدل: قاضٍ في محراب المؤسسات

في وزارة العدل، لم يجلس طبارة ليحفظ الكرسي، بل جلس ليُصلح ما أفسدته الحرب والميليشيات. قاد ورشة إصلاحية وتشريعية حقيقية، ناضل فيها من أجل دولة المؤسسات عبر محاور واضحة:
- استقلال القضاء: تنقية الجسم القضائي من تدخلات الأجهزة الأمنية والسياسية، حيث كان يُعدّ التشكيلات القضائية بنفسه تفعيلاً للنزاهة المطلقة.
- مواجهة المحاكم الاستثنائية: حاربها علناً انطلاقاً من قناعته بأن «المحاكم الاستثنائية بطبيعتها ضد العدالة، لأنها تصدر أحكاماً تُفرغ العدالة من معناها».
- عصرنة التشريعات: تحديث القوانين وتنظيم القضاء الإداري، وتشديد الرقابة لمكافحة الفساد.
- إصلاح السجون: اهتمّ بها اهتماماً خاصاً، معتبراً إياها «مرآة عدالة أي بلد».

• مرارة الإقصاء الصامت: اعتدالٌ في زمن الصخب

لكن طبارة دفع ثمن استقامته مرتين: مرةً حين أُقصي في حياته، ومرةً حين رحل في غياب يليق بمن أُهمل وهو حيّ.
بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط 2005، كان من الطبيعي أن يكون طبارة في قلب المشهد؛ فهو الذاكرة القانونية والاستمرارية الفكرية والأمانة الدستورية للمشروع. إلّا أن الواقع ذهب في اتجاه مغاير تماماً، حيث آثر سعد الحريري حلقة جديدة وفريقاً آخر يقوم على الولاءات الحادّة والحسابات الضيقة، مبتعداً عن ركائز المشروع الأول وعن الصوت الوسطي المعتدل.
واجه طبارة هذا الاستبعاد بمرارة ترفعّت عن المهاترات، معبّراً عن وجعه بكلمات مقتضبة تلخص واقع الحال: «لم أُستشر في أي من مراحل تشكيل الحكومة، رغم أنني ما زلت أرى نفسي جندياً في مشروع رفيق الحريري». جنديٌّ نُسي في خندقه لأنه رفض أن يكون مرتزقاً، ولأنه تمسّك باستقلالية رأيه ورفض الانخراط في خطاب الصدام والاستقطاب.

• الفراغ الكبير.. وداعاً لآخر العقلاء

اليوم، وقد رحل بهيج طبارة، لا يسعنا إلّا أن نتساءل بكثير من القلق: من سيملأ هذا الفراغ؟ من سيقول للسياسة إن القانون فوقها؟ من سيُذكّر الزعماء بأن الدولة ليست ملكاً لأحد، وأن غياب الأصوات المعتدلة يُعمّق الهوة ويقضي على آفاق التوافق؟
لبنان يودّع اليوم واحداً من آخر الرجال الذين آمنوا بأن الدولة ممكنة. وفي بلد يتساقط فيه المؤمنون بالدولة واحداً واحداً، ويطغى تسييس الولاء على لغة المؤسسات، يبدو الغياب أشدّ وطأةً من أي رثاء.
وداعاً بهيج طبارة. كنتَ في حياتك أكبر من السياسة الضيقة، وستكون في غيابك أكبر من النسيان.