بيروت - لبنان

اخر الأخبار

3 كانون الثاني 2026 12:00ص بوابة الفدائي

حجم الخط
فلسطين أرض الفداء. عرفت «الفادي»، منذ أكثر من ألفي عام. فداها السيد المسيح بنفسه وشخصه وروحه، حتى باتت قضية دينية وإنسانية، منذ ذلك التاريخ البعيد. وظلت مدينة القدس قبلة الحجاج إلى اليوم، ففيها مهد السيد المسيح، وفيها كنيسة القيامة، وفيها إلى ذلك، المسجد الأقصى، وقبة الصخرة.
احتفظت القدس الشريف بمكانتها، طيلة العصور الماضية، ونشأت حولها أبواب تاريخية، لطوائف وأديان وبلدان: باب الأسباط وباب الخليل وباب الرحمة وباب العمود وباب النبي داود وباب هيردوس وباب دمشق، والباب الذهبي وباب صهيون، بالإضافة إلى بوابة المدابغة.
هذه الأبواب إن دلّت على شيء فهي تدلّ على الصراع على المدينة المقدّسة. تتسابق إليها الأرواح قبل الأجساد، فكان فيها الإسراء والمعراج، مما منحها قدسية خاصة، ما منحت لمدينة غيرها.
نستعيد اليوم دور المدينة المقدّسة في فلسطين التاريخية، لنسلّط الأضواء عليها، خصوصا بعد تصفية حرب السابع من أكتوبر 2023، ومعها أيضا حرب الإسناد، التي قفزت إلى الصدارة في اليوم التالي: أي في الثامن من أكتوبر 2023.
تنادت يوم ذاك القوى المساندة، إلى وحدة الساحات لنصرة فلسطين كلها: القدس والضفة وغزة وقطاع غزة.
كانت حرب السابع من أكتوبر 2023، تماما كما حرب الثامن من أكتوبر، وريثة حروب وثورات عديدة: أهمها حرب الإنقاذ 1948 التي دفعت بالجيوش العربية إليها وإنتهت بالهدنة العسكرية بين كل من إسرائيل ومصر والأردن وسوريا ولبنان. ثم جاءت المقاومة ومعها العمل الفدائي، لمتابعة العمل العسكري، بعد الإقرار بهزيمة الخامس من حزيران 1967.
شكّل الأردن أول بوابة للعمل الفدائي لنصرة فلسطين، ثم تلاه لبنان فسوريا، غير أنه سرعان ما واجه مشكلات سياسية وعسكرية عدة. فإنحسر إلى داخل لبنان، فكانت له فيه صولات وجولات، خلال أكثر من خمسة عقود متتالية. وشكّل خروج المقاومة الفلسطينية ومعها القائد الرمز ياسر عرفات من لبنان، هزيمة واقعية لجميع فصائل المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية المساندة لها. وإنعكس ذلك على العمل الفدائي في لبنان، وصار يحكى عن إغلاق آخر بوابات المقاومة للعدو الإسرائيلي بصورة نهائية.
غير أن حسابات البيدر، لم تكن كحسابات الحقل، إذ سرعان ما قفزت المقاومة الإسلامية من الجنوب اللبناني في العاشر من ديسمبر العام 1987، وتصدّرت المشهد السياسي والمشهد العسكري، وإحتلت الواجهة، وجعلت منها بوابة الفدائي.
هكذا إذن، إحتفظ لبنان ببوابة الفدائي لنفسه، منذ ذلك التاريخ، مع مدّ حزب الله والثورة الإيرانية الداعمة له، نيابة عن الأمة العربية والإسلامية كلها. وظهر العمل الفدائي من جديد في لبنان حصرا، وفي البيئية الشيعية تحديدا مع قرار تصدير الثورة الإسلامية، إلى خارج إيران: منحته كنفا وملاذا، وقوة تنظيمية ولوجستية، ورصدت له خزائن مالية، فعاد لبنان من جديد بوابة الفدائي، صار يتحمّل وحده عبء العمل العسكري، دفع الأثمان الباهظة، عايش المجازر والحروب الإسرائيلية الوحشية عليه، كلها. وكان رابط الجيش، فلم يتلكأ ولم يتكأكأ، ولو أنه كان يجاهر بالتوكء على الثورة الإيرانية، في المال والسلاح والرجال.
يخوض لبنان اليوم حرب إغلاق بوابة الفدائي، بكل عناد وصلابة ورباطة جأش، خصوصا بعدما أقرّت المقاومة الإسلامية ومعها حزب الله، بالإنسحاب من جنوب الليطاني، وتسليم الجيش اللبناني مقاليد الحرب والسلم في الصراع مع العدو الإسرائيلي، ووضع الجيش اللبناني يده لأول مرة منذ خمسين عاما، على أنفاق المقاومة الإسلامية هناك. وعلى مخازن سلاحها، وعلى المواقع الإستراتيجية التي كانت تحتلها، وبهذا تكون بوابة الفدائي قد أحكم إغلاقها أقلّه، من جنوب الليطاني، بعد أكثر من ثلاثة أرباع القرن، وبعد أكثر من ألفي عام على الفادي الأول. فهل تفتح النافذة له من جديد، ومن مكان آخر؟ وهل تمكّن الحلاوة من إغلاق باب الفداء بفلسطين بعد أكثر من ألفي عام السيد الفادي الأول؟..
لنتمهّل قليلا في الحكم على هذا الحدث العظيم، فلا نستعجل الأمور، حتى نرى مستقبل القدس وفلسطين كلها.

* أستاذ في الجامعة اللبنانية