بيروت... حين يصبح احترام القانون بداية الإصلاح
محمد جارودي
حين يهدأ ضجيج النهار، وتخفت حركة المدينة، يجد الإنسان نفسه واقفاً أمام مرآة بيروت؛ مدينة أحببناها رغم كل ما أصابها، وما زلنا نحلم أن تستعيد وجهها الذي عرفناه. وفي لحظات الصمت تلك، تفرض الأسئلة نفسها: كيف وصلنا إلى هذا الواقع؟ وهل كل ما نعانيه اليوم هو نتيجة الأزمات الكبرى والفساد البنيوي فقط، أم أن بعض سلوكياتنا اليومية أصبحت، من حيث ندري أو لا ندري، جزءاً من المشكلة ومساهماً في تفاقمها؟
لا أحد يستطيع أن ينكر حجم المسؤولية الجسيمة التي تتحمّلها الدولة نتيجة سنوات من الفساد والمحسوبية والغياب المتعمّد لتطبيق القانون. فالمواطن الذي فَقدَ ثقته بالمؤسسات لم يصل إلى هذه الحال من فراغ، بل نتيجة تراكمات من وعود الإصلاح الواهية. لكن في المقابل، فإن بناء وطن سليم لا يمكن أن يتحقق إذا اكتفينا بالمطالبة بالإصلاح الفوقي دون أن نراجع علاقتنا نحن بالقانون وبحقوق الآخرين. فالإصلاح الحقيقي حلقة متكاملة؛ تبدأ من دولة تطبق القانون بحزم وعدالة، ومن مواطن يلتزم به في تفاصيل حياته اليومية كجزء من وعيه المجتمعي.
من حق الناس، بل من واجبهم، أن يطالبوا بحقوقهم المشروعة، وأن يرفعوا صوتهم في وجه التقصير والظلم، فهذا جوهر المواطنة الحرّة. لكن هذا الحق يفقد جزءاً من شرعيته وقيمته عندما يتحوّل إلى فوضى تخريبية، أو تعدٍّ على الممتلكات العامة والخاصة التي هي ملك للجميع. فالأوطان لا تُبنى بالخراب، والحقوق لا تُستعاد عندما نؤذي المدينة التي نطالب بإنقاذها وتأهيلها.
ولعلّ أكثر ما يكشف أزمة احترام القانون في بيروت اليوم هو المشهد اليومي لفوضى الدراجات النارية. لقد تحوّل الأمر من مخالفات عابرة إلى خطر داهم يهدّد السلامة العامة؛ دراجات تسير بعكس اتجاه السير، وتتجاوز الإشارات الحمراء بلا اكتراث، وتتنقل بين السيارات بسرعة واستهتار، وتقتحم الأرصفة. ورغم إدراكنا التام للواقع الاقتصادي الضاغط الذي جعل من الدراجة النارية وسيلة نقل أساسية منخفضة التكلفة، أو باب رزق وحيد لآلاف الشباب في قطاع «التوصيل» المتنامي، إلّا أن السعي وراء لقمة العيش لا يمكن أن يبرر استباحة أرواح المشاة أو تحويل الطرقات إلى ساحة فوضى مفتوحة.
إن خطورة هذا السلوك تكمن في تحوّله إلى ثقافة عامة لدى فئة من الشباب الذين يُفترض أن يكونوا طاقة الوطن ومستقبله. فحين يصبح تجاوز النظام مبعثاً للفخر أو أمراً اعتيادياً، نكون أمام أزمة وعي أعمق من مجرد مخالفة مرورية؛ إنها أزمة إحساس بالمسؤولية تجاه المجتمع. فالشباب هم الأمل، لكن هذا الأمل يحتاج إلى إدراك واعي بأن القوة الحقيقية تكمن في صون المجتمع لا في اختراقه وتجاوز ضوابطه.
ولا يقلّ مشهد الأرصفة المستباحة إيلاماً عن فوضى الطرقات. فالرصيف الذي وُجد ليكون مساحة آمنة للمشاة، تحوّل بفعل الجشع وغياب الرقابة البلدية والأمنية إلى مساحات تجارية مستباحة؛ بضائع المحال تمتد فوقه، والكراسي والطاولات تضيق بها الممرات، فضلاً عن ظاهرة «الفاليت باركينغ» والعوائق الحديدية. والأنكى من ذلك، أن بعض المخالفين المستبيحين للرصيف، وبمرور السنين وتواطؤ الصمت، باتوا ينظرون إليه كأنه «حق مكتسب» لهم! فانظروا إلى أي درك من الفوضى وصلنا. في المقابل، يجد المواطن نفسه مضطراً للنزول إلى نهر الطريق ليتجاوز عائقاً، معرّضاً حياته للخطر، ثم يعود إلى الرصيف ليواجه عائقاً آخر.
هذه المعاناة اليومية قد يراها البعض تفصيلاً هامشياً، لكنها بالنسبة لكبار السن، والأمهات مع الأطفال، وذوي الاحتياجات الخاصة، تمثل إلغاءً تاماً لحقهم الأساسي في التنقل بأمان في مدينتهم. إن الرصيف ليس امتداداً لملك خاص أو استثمار تجاري، بل هو ملك عام للناس جميعاً، والتعدّي عليه هو تعدٍّ مباشر على كرامة المواطن.
إن هذه المشاهد ليست سوى انعكاس لغياب الثقافة الردعية من جهة، والتربية على احترام القانون من جهة أخرى. فالتربية التي تبدأ من الأسرة وتتكرّس في المدرسة، تحتاج إلى دولة تدعمها بالقدوة وبتطبيق القانون على الجميع دون استثناء أو «واسطة». فالمواطنة ليست شعاراً زائفاً، بل هي ممارسة وسلوك في الشارع والعمل.
إن إنقاذ ما تبقّى من روح بيروت لا يتطلب معجزات، بل يتطلب إرادة سياسية حازمة تتكامل مع وعي مجتمعي صادق. يبدأ الأمر من احترام إشارة المرور، وترك الرصيف للمشاة، وإدراك أن النظام حماية للحرية الشخصية وليس قيداً عليها. لقد علّمتنا قِيَمنا أن كفّ الأذى عن الطريق صدقة، وأن صون الأوطان أمانة. فلنبدأ بإصلاح سلوكنا اليومي بالتوازي مع معركتنا المستمرة لإصلاح الدولة ومؤسساتها، عندها فقط تصبح بيروت أقرب إلى المدينة التي نحلم بها؛ مدينة يحكمها القانون, ويحفظ فيها الإنسان حقه وكرامته.






