الاتجاه الإجباري: خرائط المنطقة الجديدة وتفكيك ترسانة حزب الله (١)
لم تعد التبدّلات المتسارعة التي تشهدها الساحة اللبنانية مجرد مناورات سياسية محلية أو سجالات تقليدية بين المكونات الداخلية، بل باتت انعكاساً مباشراً لزلزال ميداني ودبلوماسي يعيد رسم توازنات الإقليم بالحديد والنار. فبينما يواجه الجنوب اللبناني موجات متتالية ومستمرة من الاعتداءات الإسرائيلية، تشتعل جبهات المنطقة على وقع تحوّل نوعي خطير تمثّل في تجدد الضربات العسكرية الأميركية المباشرة والمركّزة داخل العمق الإيراني. هذا التقاطع الساخن بين التصعيد الميداني غير المسبوق والضغط العسكري الشامل هو الذي يمنح الأحداث المفصلية أبعادها الاستراتيجية الحقيقية: إبرام «مذكرة تفاهم إسلام آباد» المؤقتة بين واشنطن وطهران، وتوقيع «الاتفاق الإطاري الثلاثي» في واشنطن، وصولاً إلى الحدث الدبلوماسي الأبرز المتمثل في الدعوة الرسمية لزيارة الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وتُجمع القراءات التحليلية الصادرة عن الدوائر السياسية الكبرى على أن هذا التقاطع الدبلوماسي-العسكري الراهن يُمثل تحولاً بنيوياً في الاستراتيجية الإيرانية؛ حيث نقل ملف السلاح في لبنان من إطار «المواجهة الأيديولوجية المفتوحة» إلى إطار «البراغماتية السياسية الباردة» تحت وطأة النار والإنهاك. وهو ما يمهد الطريق لمعالجة واقعية لترسانة حزب الله بعد تبدّل الحسابات الإقليمية والمحلية جذرياً، وسقوط فرضية الردع التقليدية أمام كثافة الضربات الجوية والخلل الحاد في موازين القوى.
• اشتعال المواجهة المباشرة وارتداداتها الإقليمية
جاء الهيجان الميداني الأخير ليعيد صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة بأكملها، بعد أن تجاوزت المواجهة حدود الحروب بالوكالة إلى صدام مباشر وعنيف. فقد أطلقت الولايات المتحدة سلسلة من الضربات العسكرية المركّزة والملحوظة التي استهدفت للمرة الأولى عمق المنشآت العسكرية والأمنية الحيوية داخل إيران، في خطوة أميركية حاسمة لتقويض أذرع طهران وقدراتها الصاروخية. ولم يتأخّر الرد الإيراني، لكنه جاء لافتاً في اتجاهاته؛ إذ اختارت طهران توجيه ضرباتها الصاروخية ومسيّراتها نحو عدد من الدول العربية المحيطة، مستهدفة منشآت ومواقع حيوية تحت ذريعة «تسهيل القواعد العربية اللهجمات الأميركية» أو «التواطؤ في محاصرة المحور».
• عندما تتقدّم حسابات بقاء الدولة على الشعارات تحت وطأة النار
تؤكد المعطيات الدبلوماسية حول كواليس المفاوضات الإيرانية - الأميركية العسيرة، أن «مذكرة تفاهم إسلام آباد» لم تكن نتاج رغبة طوعية في الانفتاح، بل ولدت من رحم جولات معقدة من الضغوط الاقتصادية الخانقة والردع العسكري المتبادل، وتحديداً بعد أن تيقنت طهران من خطورة استمرار الضربات الأميركية المباشرة على منشآتها وعمقها الأمني. هذا الضغط دفع الطرفين نحو صياغة إطار عمل مؤقت يمتد لـ 60 يوماً لالتقاط الأنفاس وضبط حافة الهاوية.
وتُشير التحليلات السياسية إلى أن الأهمية الجوهرية لهذا التفاهم تكمن في أثره الارتدادي على «السردية الأيديولوجية» التي اعتمدها النظام الإيراني منذ عام 1979؛ حيث كان مصطلح «الشيطان الأكبر» يُمثل ركيزة عقائدية تُحرّم التفاوض المباشر. إلّا أن خيار الجلوس على طاولة واحدة وتوقيع التزامات متبادلة لحماية الداخل من الضربات الأميركية يحوّل الولايات المتحدة في الخطاب الفعلي من «خصم ميتافيزيقي» إلى «شريك تفاوضي» تُدار معه المصالح المادية الحيوية.
ويرى الخبراء أن هذا السلوك يعكس القاعدة الفقهية والسياسية الأعم في طهران وهي أن «حفظ النظام وبقاء الدولة مقدم على أي اعتبارات أخرى»، وهو السيناريو الذي اختبرته طهران سابقاً عام 1988 عند قبول القرار الأممي رقم 598 لإنهاء الحرب مع العراق. وبذلك، دخلت السياسة الخارجية الإيرانية مرحلة الواقعية السياسية الباردة، وتراجعت شعارات التعبئة الأممية أمام حسابات الاقتصاد الوطني واستقرار الداخل المهدد.
• السلاح في الميزان الدبلوماسي.. من ورقة ردع إلى ملف تفاوضي
هذا التحوّل الجذري في السلوك الاستراتيجي لطهران تحت ضغط النار ترك أثراً مباشراً وفورياً على الساحة اللبنانية، وتحديداً على شرعية وبنية السلاح خارج إطار الدولة. ولطالما استند خطاب حزب الله التعبوي إلى أن ترسانته العسكرية هي جزء لا يتجزأ من محور إقليمي متكامل يهدف إلى إسناد الساحات وإنهاء النفوذ الأميركي ومواجهة إسرائيل بشكل مشترك.
إن الترسانة العسكرية لحزب الله، والتي كانت تُعدّ لسنوات أداة ردع أساسية لحماية العمق الإيراني، تحوّلت في حسابات تفاهم إسلام آباد والضربات الأميركية المباشرة من أصل استراتيجي إلى عبء دبلوماسي وعسكري يعوق مساعي طهران للانفتاح والنجاة الاقتصادية ورفع العقوبات الدائمة عن صادراتها النفطية.
هذا التبدّل أحدث إرباكاً عميقاً في القراءة السياسية للحزب، حيث تراجعت فكرة «وحدة الساحات» أمام أولويات الدولة الراعية المثقلة بالجراح، مما جعل السلاح يواجه حالة غير مسبوقة من «العزلة الاستراتيجية» بعد أن تحوّل من قضية مبدئية فوق النقد إلى ورقة خاضعة لتوازنات المصالح والاتفاقيات بين القوى الكبرى.
• التقاطعات مع الداخل ونزع الذرائع الميدانية
تزامن تراجع الغطاء الإقليمي مع حراك ميداني وسياسي متسارع يقوده رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون لإعادة تثبيت منطق الدولة. وفي هذا السياق, تكتسب قمة واشنطن المرتقبة بين الرئيس عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب أهمية بالغة بوصفها أول زيارة رسمية لرئيس لبناني إلى البيت الأبيض منذ سنوات طويلة، مما يعكس اهتماماً دولياً استثنائياً بالمسار اللبناني لدعم بسط سيادة الدولة وإنهاء ملف السلاح غير الشرعي.
وتُشير التقارير المتقاطعة إلى أن هذا الزخم الدبلوماسي يتقاطع مع آليات «الاتفاق الإطاري الثلاثي» التي صيغت بوضوح على مستويين حاسمين:
- معادلة الإعمار والسيادة بــ«المناطق التجريبية»: يربط الاتفاق صراحة بين انسحاب القوات الإسرائيلية وتدفق المساعدات الدولية لإعادة بناء القرى والبلدات الجنوبية المهدومة بفعل الاعتداءات المتواصلة، وبين آلية «المناطق التجريبية» في القطاع الجنوبي التي تشترط التحقق المطلق من خلوها من السلاح غير الشرعي وتفكيك بنيتها التحتية العسكرية. وقد التقت هذه الحيثيات مع نتائج مفاوضات روما ومقترح الانسحاب الإسرائيلي لصالح تسلّم الجيش اللبناني المهام الأمنية.
- تثبيت المرجعية الحصرية للدولة والجيش: مع التوجه الدولي الحالي المصاحب لزيارة الرئيس عون إلى واشنطن لتعزيز قدرات المؤسسة العسكرية وتفويضها حصرياً بالأمن بدعم دولي مباشر، سُحبت الذريعة العملية لوجود قوة عسكرية موازية.
• مأزق الخطاب السياسي أمام الشرعية الدستورية المستعادة
ظهرت معالم هذا المأزق الإستراتيجي بوضوح في خطاب حزب الله، الذي انتقد فيه الاتفاق الإطاري اللبناني معتبراً إياه غير منصف، وطالب في المقابل بالاستناد إلى تفاهمات إسلام آباد الإقليمية.
إلّا أن تأكيد الرئيس جوزيف عون بأن صيغة الاتفاق الإطاري تمثل «أفضل الممكن» وأن واشنطن باتت تصغي للمطالب اللبنانية وملف البلاد أصبح مباشرة على طاولة القرار، وضع الحزب في موقف دقيق ومحرج أمام الرأي العام؛ إذ ظهر بمظهر المعترض على صيغ وطنية أقرّتها السلطات الدستورية والمؤسسات الرسمية الشرعية للبلاد، والتي تضمن الالتزام الدولي بوقف الحرب والسيادة، مفضلاً ربط المصير المحلي بمسارات إقليمية. هذا التحول صوّر ملف السلاح في القراءة القانونية والدستورية كحالة خروج عن الإجماع الوطني والشرعية المستعادة للدولة، وليس كحالة مقاومة تحظى بالتفاف شعبي كما كان الحال في السابق.
في الخلاصة، يضع تفاهم إسلام آباد والواقع الميداني الملتهب، متزامناً مع الدفع الدبلوماسي لزيارة الرئيس عون إلى البيت الأبيض، حزب الله أمام مشهد جديد ألغى صيغة المزاوجة الرمادية بين «الدولة والدويلة». لقد تحركت مياه الإقليم وبات السلاح مكشوفاً أمام مسار إجباري يتطلب الدخول تحت سقف القانون والمؤسسات الشرعية اللبنانية؛ حيث لم يعد بقاء القوى المسلحة خارج إطار الدولة يتماشى مع الخرائط المصالحية والأمنية الجديدة التي رسمتها عواصم القرار فوق أنقاض الصيغ القديمة.
٠يتبع في الجزء الثاني: حتمية تنفيذ الاتفاق الإطاري الثلاثي.. الركائز الأربع لسيادة الدولة






