اليوم أتوجّه إلى مجلس النواب، لا بصفتي فرداً، بل صوتاً من أصوات شعبٍ نُهبت أمواله وسُرقت كرامته.
بحسب الدستور، أنتم تمثّلون الشعب، وتتحمّلون مسؤولية التشريع والرقابة وحماية الحقوق العامة والخاصة.
لكن الواقع يُظهر أن هذه المسؤوليات لم تُمارَس كما يجب، وأن المجلس أخفق في أداء دوره في واحدة من أخطر المراحل التي مرّ بها لبنان.
كنتم سلطة رقابية، وكان يفترض بكم أن تبادروا إلى المساءلة والمحاسبة.
لكن ما حصل هو تراجع عن هذا الدور، وصمتٌ طويل في لحظة كانت تتطلّب أعلى درجات المواجهة التشريعية والرقابية.
وهذا الصمت لم يكن مجرّد خطأ في التقدير السياسي، بل تخلٍّ واضح عن الواجب الدستوري في حماية المال العام وحقوق المواطنين. شهدتم الانهيار المالي الأكبر في تاريخ لبنان.
وشهدتم ضياع أموال المودعين.
وشهدتم عمليات تحويل وتهريب للأموال إلى الخارج في غياب أي إجراءات رادعة. ومع ذلك، لم تُتَّخذ الخطوات التشريعية والرقابية اللازمة في وقتها. أقولها بوضوح لا يحتمل أي تأويل: حين تغيب المحاسبة، تسقط العدالة. وحين يُستبدل الدور الرقابي بالصمت، تُفتح الأبواب أمام الإفلات من المسؤولية.
اليوم، مشروع قانون الفجوة المالية في ملعبكم.
وهذا المشروع، بصيغته المطروحة، لا يشكّل معالجة جذرية للأزمة، بل يثير مخاوف جدّية من كونه تشريعاً يلتفّ على جوهر المشكلة، ويعيد توزيع الخسائر على حساب المتضرّرين، ويمنح غطاءً قانونياً لمسار لم تُحدَّد فيه المسؤوليات بوضوح.
لذلك نقولها بوضوح أكبر:
هذا المشروع، بصيغته الحالية، يجب أن يُرفض من أساسه.
لا معالجة مالية حقيقية قبل:
- ردّ وتحرير كامل الودائع وعدم تحميل المواطنين كلفة الانهيار،
- محاسبة فعلية لكل من قصّر أو أساء استخدام السلطة أو النفوذ،
- تطبيق قانون الإثراء غير المشروع دون استثناء أو انتقائية،
- إجراء تدقيق جنائي شامل في حسابات الدولة ومصرف لبنان والمصارف، - استعادة الأموال المنهوبة والمهرّبة إلى الخارج بدل تغليفها بتشريعات.
وعلى الشعب، في موازاة ذلك، أن يمارس حقّه في المحاسبة الديمقراطية عبر صناديق الاقتراع، لأن المسؤولية لا تكتمل من دون مساءلة سياسية علنية.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال مشروع لا يمكن تجاهله:
من أين يأتي المال الانتخابي الذي يُنفق بمليارات الدولارات في الاستحقاقات الانتخابية، في بلد سُرقت فيه أموال شعبه وجُفِّفت موارده؟ إن غياب الرقابة على التمويل الانتخابي، والتغاضي عن مصادر هذا الإنفاق، شكّل عاملاً أساسياً في إعادة إنتاج المنظومة نفسها، وساهم، بصمتٍ مريب، في تعميق الأزمة التي أوصلت الوطن إلى الانهيار. وهكذا، لم يعد لبنان دولة يمكن الركون إلى مؤسساتها بثقة، بل كياناً مأزوماً تتآكل شرعيته بفعل غياب المحاسبة، وهو واقع لا يمكن تغييره إلّا بإرادة شعبية واعية، وبسلطة تشريعية تستعيد دورها الدستوري بدل الاكتفاء بالصمت. هذه ليست لحظة تشريع عادي.
إنها لحظة مراجعة وطنية ومسؤولية تاريخية.
إمّا أن يقف مجلس النواب إلى جانب الشعب ويستعيد دوره الدستوري الكامل، وإمّا أن يُسجَّل عليه، في هذه المحطة المفصلية، فشلٌ جديد في حماية حقوق الناس.
والشعب، إذا نسي ولم يُحاسب، يكون قد تخلّى عن حقّه، وساهم بصمته في استمرار الجريمة وإعادة إنتاجها.