هناك اعتقاد عند الكثير من المراقبين والمحللين إن الأمور في لبنان ستتجه نحو التصعيد من جديد، برأينا أن الاعتداءات الإسرائيلية لن تتوقف في كل من لبنان وقطاع غزة. وأن لم تذهب الأمور إلى مواجهة واسعة.
وأحد أسباب هذا التصعيد المتوقع هو الولايات المتحدة الأميركية، والتي ترى أن من مصلحتها الاستراتيجية إبقاء بؤرة التفجر في المنطقة، وذلك لأسباب عديدة أهمها إنها لا تريد لأي قوة أو دولة عربية أن تتغلب على اسرائيل، ولا تريد في المنطقة أي مشروع وحدودي لأن ذلك يساعدها في السيطرة على الثروة البترولية، والتي من خلالها تستطيع أن تؤمّن هيمنتها على الاقتصاد العالمي. خصوصاً أن الصراع الدائر حالياً قد أدّى إلى تعزيز محور الممانعة، والذي ما زال بالرغم من كل الضربات القاسية التي تلقّاها يعمل بدرجة عالية من التنسيق. الأمر الذي يعزز مواجهة كل من حزب لله في لبنان، وحركة حماس في فلسطين. وكان اللافت في هذا الصراع دخول جماعة أنصار لله في اليمن، والذي شكّل تطوّراً في اطار تفاعل الإقليم مع عملية طوفان الأقصى من خلال هجماتهم الصاروخية على ميناء ايلات والسفن التجارية المرتبطة بإسرائيل، وصولاُ إلى قصف تل أبيب بالمسيّرات.
للوهلة الأولى وبعد عملية الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل بحق عدد من قادة من حزب لله وفي مقدمتهم السيد حسن نصرلله. اعتقد نتنياهو للحظات انه يقود العالم وعلى الجميع أن يطلب رضاه. ولكن الواقع غير ذلك فحزب لله بالرغم من الضربات القاسية التي تلقّاها، ما زال يتعامل مع الأحداث كمؤسسة قد أعدّت مسبقاً العدة لكل الاحتمالات، ومن بينها اغتيال قادتها الكبار. وهذا ما تدركه إسرائيل، والتي ما تزال تتعاطى معه كقوة لا يمكن الاستهانة بها، وهنا يمكن فهم كل الضغوط التي تمارس على الحكومة اللبنانية لنزع سلاح الحزب، وذلك من دون وجود أي ضمانات بوقف إسرائيل لاعتداءاتها على لبنان، والانسحاب من الأراضي التي احتلتها في الجنوب. أما ماذا تحمل الأيام القادمة، فأنها برأينا ستحمل ضربات إسرائيلية أكثر أيلاماً، والتي ستكون موجهة نحو منشآت حيوية لبنانية، مدّعية أن القصف يستهدف منشآت تابعة لحزب لله. ما قد يدفع حزب لله إلى الرد بأسلحة استراتيجية لم يستخدمها بعد.
أن إسرائيل ما زالت تشعر حتى اليوم بأنها لم تحقق هدفها المعلن من حربها ضد لبنان، وهو فرض الشروط على السلطات اللبنانية في مرحلة تشبه مرحلة اجتياح عام 1982. وهي كانت تعتقد أن اغتيال السيد حسن نصرلله، كان سيكون وحده كافياً لإحداث ضعضعة داخل قيادة الحزب، والتي استوعبت الضربة سريعاً، بالرغم من هول الصدمة وشدّتها، وانطلاقاٍ من كل ذلك يمكن القول أن الوضع في لبنان ما زال مفتوحاً على كل الاحتمالات. ولكن التصعيد أن حدث، لن يؤدي إلى انفجار إقليمي، والتي تراه الولايات المتحدة في المرحلة في غير مصلحتها.
أما من يقول بأن الحل هو بتسلّم الجيش اللبناني لسلاح حزب لله، وانتشاره على الحدود مع إسرائيل، فلكي يتمكن الجيش من الصمود أمام أي اعتداء واسع على حدوده، أو ثكناته الموزعة في كل أنحاء لبنان، عليه أن يقيم توازناً دقيقاً بين قدراته الفعلية (بالسلاح والمعدات والرجال) وبين قدرات إسرائيل التي تتفوق عليه في العديد والعدّة والسلاح. وذلك أمر صعب المنال بل مستحيل في الظروف الحالية.
وبخصوص ما يُحكى عن الشرعية الدولية وقدرتها على إلزام إسرائيل بعدم الاعتداء على لبنان. فهذا أمر فيه الكثير من عدم الصوابية، خصوصاً أن لإسرائيل أطماعاً تاريخية في أرض لبنان، وكل القرارات الدولية لم تمنعها سابقاً ولن تمنعها لاحقاً من تنفيذ مخططاتها التوسعية القائمة على فكرة مشروع إسرائيل الكبرى، والذي يقع لبنان في دائرتها.
* صحافي وكاتب سياسي