عباس المعلم*
في ظاهر الخطاب، يقدّم سمير جعجع نفسه حارساً لحقوق اللبنانيين في الاغتراب ومدافعاً عن «إنقاذ» الاستحقاق النيابي.
غير أنّ القراءة التحليلية المتأنّية تُظهر أنّ هذا العنوان ليس سوى مدخلٍ سياسي لتفكيكٍ منهجي للسلطة التشريعية وضربٍ مباشر للصيغة اللبنانية، عبر نقل مركز الثقل من الدستور ومؤسساته إلى منطق الضغط والابتزاز السياسي، ثم تحميل رئاسة الجمهورية مسؤولية مسارٍ تشريعي ليس من صلاحياتها أصلاً.
دعوة جعجع رئيس الجمهورية إلى توجيه رسالة للمجلس النيابي تطلب انعقاده خلال ثلاثة أيام لمناقشة مشروع قانون «معجّل مكرّر» تكشف نزعةً لتجاوز القواعد الناظمة للفصل بين السلطات.
فالرئيس، وفق الدستور، ليس أداةَ استدعاءٍ تشريعي ولا ضامناً لتمرير قوانين تحت ضغط المهل والتهديدات، بل رأس الدولة وحَكَم المؤسسات. تحويله إلى «ملاذ أخير» ليس إنقاذاً للاستحقاق، بل توظيفٌ سياسي للرئاسة في صراعٍ يراد له أن يُدار خارج الأطر الدستورية.
أما التهويل بعبارات من قبيل «على الدنيا السلام» إذا لم تُنظَّم الأمور داخلياً، فهو خطاب تعبوي يُراد به خلق حالة طوارئ سياسية تبرّر القفز فوق المؤسسات. هنا لا يُطرح الخلاف بوصفه نقاشاً تشريعياً مشروعاً، بل كأزمة وجودية تُسوّغ الاستثنائي وتُطيح بالعادي، وتفتح الباب أمام إعادة تعريف الشرعية وفق ميزان القوة لا وفق النص الدستوري.
الهجوم المكبَّر على رئيس الجمهورية ووصمه ضمنياً بالعجز أو التقاعس، لا ينفصل عن استراتيجية استهداف العهد تمهيداً لإضعافه ثم الإطاحة به سياسياً. فجعجع لا يناقش موقفاً محدداً بقدر ما يشيّد سردية تحميل الرئاسة مسؤولية «مصير الاستحقاق»، بما يمهّد لنزع الثقة الرمزية عنها وتحويلها إلى طرفٍ في نزاعٍ حزبي، لا إلى مرجعية وطنية.
خلاصة القول: ما يجري ليس خلافاً تقنياً حول آلية اقتراع، بل محاولة واعية لإحداث كسرٍ بنيوي في هندسة النظام الدستوري اللبناني، عبر دفع المؤسسات إلى الاشتباك في ما بينها، وإضعاف مركز التحكيم الرئاسي، تمهيداً لإعادة تشكيل السلطة على قاعدة الفوضى المُدارة، حيث تُستبدل قواعد الدولة بمنطق الصراع المفتوح وتُفرَغ الصيغة من مضمونها السيادي والتوافقي..
* كاتب سياسي