د. محمد دوغان
في بلدٍ لا تُبنى فيه السلطة على البرامج ولا تُقاس فيه الوطنية إلّا بميزان السفارات، كان لا بدّ أن يظهر ديبلوماسي من نوع خاص: بلا صفة، بلا عنوان، وبلا وجود... ومع ذلك كاد أن يصبح مفتاح البرلمان ورئاسة الحكومة.
يُروى ولا يُستبعد (الأمر ما زال في عهدة القضاء) أنّ رجلاً قدّم نفسه على أنه من الديوان الملكي السعودي، باسمٍ حركي يصلح لمسلسل بدوي أكثر مما يصلح لعلاقات دولية، استطاع أن يفتح أبواب الصالونات السياسية اللبنانية كما تُفتح أبواب المقاهي. لا أوراق اعتماد، لا بيان رسمي، ولا حتى صورة مع مسؤول... ومع ذلك صدّقه كثيرون، وركضوا خلفه، وطلبوا رضاه، وربما بركته.
في لبنان، لا تحتاج لأن تكون دولة كي تؤثّر، يكفي أن تُشاع عنك علاقة بالخارج. هنا، تُصنع الزعامات بالهمس، وتُدار الطموحات برسالة (واتساب)، وتُختصر السيادة بجملة: الرجل مدعوم.
الطريف - أو المبكي - أنّ الفضيحة لم تكن في وجود محتال، فهؤلاء موجودون في كل الدول، بل في حجم النخبة التي صدّقته. سياسيون، مرشّحون، طامحون للنيابة وربما لرئاسة الحكومة، تعاملوا مع «الوهم» كأنه قدر، ومع الدولة كأنها تفصيل.
وحين انكشف الأمر، لم تُطرح الأسئلة الصحيحة:
• كيف يمكن لشخص وهمي أن يخترق الحياة السياسية؟
• لماذا لم يسأل أحد عن القنوات الرسمية؟
• ولماذا يبدو الخارج دائماً أكثر إقناعاً من الداخل؟
بدل ذلك، ساد الصمت... كأن الفضيحة ليست في الانخداع، بل في انكشافه.
هذه الواقعة ليست حادثة عابرة، بل كاريكاتور كامل للنظام اللبناني: نظام لا يثق بنفسه، لا يؤمن بمؤسساته، ولا يرى في العروبة خياراً وطنياً، بل ورقة اعتماد خارجية تتبدّل بتبدّل الرياح الإقليمية.
لقد قيل ذات يوم:
«لقد أخطأنا وأخطأ كل منا بالاستعانة بالخارج، فأما استعانتنا بالصديق فخطأ، وأما استعانة غيرنا بالعدو فخطيئة...».
لكن يبدو أن الخطأ في لبنان لم يعد خطأً، بل أصبح منهجاً سياسياً، يُدرَّس في الممارسة لا في الدساتير.
في الخلاصة، لم يكن «أبو عمر» سوى مرآة.
المرآة لا تُحاسَب، بل من وقف أمامها وظنّ أن انعكاسه دولة.