بيروت - لبنان

30 كانون الأول 2025 12:00ص حروب الجيل السادس: صراعٌ بلا منتصر

حجم الخط
د. مهى محمّد مراد

في عالم اليوم، لم تعد الحروبُ تشبه ما عرفهُ العالمُ سابقاً من مواجهات عسكريّة تقليديّة، حيث كانت الحروب تُخاض فقط بالدبابات والطائرات والجيوش النظامية، كما كان الحال في القرن الماضي، بل دخلت البشرية مرحلةً جديدةً من الصراعات تُعرف بـ«حروب الجيل السادس».
هذا النوع من الحروب يتجاوزُ ساحات القتال التقليدية، ليطالَ الإنسان في أمنه الصحيّ واستقراره النفسيّ وقدرته الاقتصادية، وحتى وعيه وإدراكه. إنها حروب شاملة، لا تُعلن رسمياً في كثير من الأحيان، ولا تُحدد لها جبهات واضحة، لكنها تُحدث دماراً عميقاً وبعيد المدى.
وبالتالي، تعتمد حروب الجيل السادس على الاستنزاف البطيء والإضعاف التدريجيّ للمجتمعات، حيث يصبح الإنسان هو الهدف الأول والأخير. فبدل المواجهة المباشرة، يتمّ استخدام أدوات متعددة مثل الأزمات الاقتصادية والحروب الإعلامية والعقوبات والتجارب الصحية والفوضى السياسية، ما يؤدي إلى إنهاك الدول من الداخل دون الحاجة إلى احتلال عسكريّ مباشر. وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن نصر أو هزيمة أمراً ملتبساً، لأنّ الخسارةَ تطال الجميعَ بدرجات متفاوتة.
لقد كشفت جائحة كورونا عن هشاشة النظام العالمي، وفتحت باباً واسعاً للنقاش حول كيفية إدارة الأزمات الصحية، وحدود التدخّل في حياة الأفراد، وتأثير الإجراءات القسرية على المجتمعات. فقد عانى العالم من خسائر بشرية واقتصادية ونفسية هائلة، وتعرّضت الثقة بين الشعوب والمؤسسات لاهتزاز كبير. وبغضّ النظر عن التفسيرات المختلفة لما جرى، فإن النتيجة كانت واحدة: إنسانٌ مرهق، واقتصاداتٌ منهكة، ومجتمعات أكثر انقساماً. وعندما تعجز هذه الأدوات عن تحقيق أهدافها كاملة، تعود الحروب المسلحة لتؤدي دوراً مكمّلاً في مسار الاستنزاف.
وما نشهده اليوم من صراعات مفتوحة، كالحرب بين روسيا وأوكرانيا، أو الحرب المستمرة في سوريا منذ أكثر من عقد، يؤكد أن الحروب الحديثة لا تصنع منتصرين حقيقيين. فحتى الطرف الذي يحقق مكاسب عسكرية يدفع أثماناً باهظة على المستويين الاقتصادي والإنساني، فيما تُدمَّر المدن، وتُهجَّر الشعوب، وتضيع سنوات طويلة من التنمية والاستقرار. وفي نهاية المطاف، يبقى الإنسان العادي هو الضحية الكبرى، بينما تستمر دوّامة العنف دون أفقٍ واضح للحل.
أما في ما يتعلق بالصراع بين إسرائيل ولبنان، فإن الواقع القائم يثبت عجز الطرفين عن حسم المواجهة عسكرياً. فإسرائيل، رغم تفوّقها العسكري، لا تستطيع الدخول في حرب برية شاملة داخل الأراضي اللبنانية دون تكاليف كبيرة، وفي المقابل لا يملك لبنان القدرة على شنّ حرب هجومية. وبين هذا وذاك، يعيش الشعبان في حالة توتر دائم، يدفع ثمنها المدنيون قبل أي طرف آخر، فيما تتآكل فرص الاستقرار والسلام.
وفي لبنان تحديداً، البلد الصغير بمساحته وعدد سكانه الذي لا يتجاوز خمسة ملايين نسمة، تبدو كلفة الحروب مضاعفة وخطيرة. فلبنانُ بلد متعدّد الطوائف والثقافات، قام تاريخه الحديث على فكرة العيش المشترك، لا على منطق الإلغاء أو الإبادة. ومن هنا، يصبح خيار السلام ضرورة وجودية لا مجرد موقف سياسي. فالحروب لا تدمّر الحجر فقط، بل تفتك بالنسيج الاجتماعي، وتسرق مستقبل الأجيال القادمة.
إن حروب الجيل السادس، بما تحمله من أدوات خفية وأساليب معقّدة، لا تهدف إلى بناء عالم أكثر عدلاً أو أمناً، بل تُنتج واقعاً مليئاً بالفوضى والخوف وعدم اليقين. ولهذا، فإن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على حماية الإنسان، وتعزيز الحوار، والبحث عن حلول سلمية للنزاعات، مهما بدت صعبة أو بعيدة المنال.
وفي الختام، يمكن القولُ إنّ حروب الجيل السادس هي صراعات بلا منتصر، لأنها تقوم على تدمير الجميع بشكل مباشر أو غير مباشر. وحده السلام، القائم على العدالة والاحترام المتبادل، قادر على صون الأوطان، وحماية الكرامة الإنسانية، وفتح الطريق أمام مستقبل أكثر أماناً واستقراراً.