بيروت - لبنان

اخر الأخبار

30 كانون الأول 2025 12:20ص حكومة نواف سلام وفلسفة الشرعية السياسية الداخلية

حجم الخط
البروفسور ميشال فريد الخوري

تقوم شرعية الحكومة في الدولة الحديثة على تركيبة متعدّدة من الشرعيات المتداخلة تبرّر الحكم وتجعله مقبولاً في نظر المجتمع. ففي الدول المستقرة، تكون هذه الشرعيات تلقائية وطبيعية، أما في الدول المأزومة كلبنان، تتحوّل الشرعية إلى إشكالية، فالحكومة قد تكون دستورية أو إصلاحية لكنها لا تملك القدرة على التنفيذ. من هنا، يصبح تحليل الشرعية أداة لفهم إمكانية الحكومة، ولا سيّما حكومة دولة رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام، التي بدأت عملها في بلد منهار اقتصادياً وسيادة هشّة يضاف إلى ذلك إنعدام الثقة بين الشعب والدولة. في الفلسفة السياسية الكلاسيكية تُدرس الشرعية من الداخل إلى الخارج، ولهذا السبب إننا نركّز في هذه الدراسة على الشرعية السياسية الداخلية مع العلم أنه في الدول المأزومة، تتحوّل السياسة الخارجية إلى مصدر شرعية قائم بذاته. في هذا السياق، يبرز السؤال التالي: على أي شرعيات تستند حكومة الرئيس نواف سلام؟ وكيف يمكن ترجمتها على الساحة اللبنانية؟ للإجابة، تمّ اعتماد عشرة من الشرعيات السياسية الداخلية الأساسية كما عالجها الفكر الفلسفي السياسي، من الشرعية الدستورية إلى الشرعية التداولية مروراً بشرعية العقد الاجتماعي وغيرها، وربطها مباشرة بأداء الحكومة.
أولاً: الشرعية الدستورية – القانونية، ترتكز هذه الشرعية على إحترام الدستور ووقد أَسّس لها بوضوح مونتسكيو في كتابه «روح القوانين» حين تكلم عن فصل السلطات (التشريعية، التنفيذية، القضائية)، وعن ربط الحرية السياسية بالخضوع للقانون لا للأشخاص، أما هانس كلسن في كتابه «النظرية الخالصة للقانون»، تكون الحكومة شرعية إذا عملت ضمن إحترام الدستور، فإذا انهار هذا الإحترام، إنهارت الشرعية مهما كانت الإنجازات. في لبنان تُقاس هذه الشرعية بمدى العمل عبر المؤسسات مقابل الأعراف التي هي في بعض الأحيان غير دستورية، وأما نواف سلام فهو واضح جداً في هذا الإطار من خلال التشديد على دور مجلس الوزراء وإحالة الملفات إلى مجلس النواب وعدم اتخاذ القرارات خارج الأطر القانونية، لكننا نرى أن بعض القرارات الخلافية لا زالت تصطدم بحقيقة أن الشرعية الدستورية وحدها لا تكفي في دولة تعاني في بعض الأحيان من ضعف القدرة على التنفيذ.
ثانياً: الشرعية الديمقراطية والتمثيل النيابي، تقوم هذه الشرعية على التفويض الشعبي من خلال الانتخابات البرلمانية، كما شرحها جون ستيوارت ميل في كتابه «اعتبارات حول الحكم النيابي»، فالانتخابات النزيهة تُعطي الحكومة شرعيتها لأن شرعية السلطة تقوم على المشاركة السياسية والمساءلة الدورية عبر الاقتراع. في لبنان، وبالرغم من أن النخب تعيد إنتاج نفسها، نجد أن حكومة نواف سلام تستمد شرعيتها رسمياً من برلمان منتخب، لكنها تظل هذه الشرعية ناقصة بسبب الطابع الطائفي للنظام وضعف التمثيل الاجتماعي في بعض الدوائر الانتخابية، كما وأنها تعمل ضمن توازنات تعكس اتفاقات فوقية أكثر من تعبيرها عن إرادة الشعب الحقيقية، أشبه بما وصفه جان جاك روسو بـ«الاتفاقات الفوق شعبية». لذلك، يمكن القول إن هذه الشرعية موجودة من الناحية الشكلية، لكنها بحاجة إلى بعض التعديل في قانون الانتخاب لكي تحظى بقبول إجتماعي أوسع.
ثالثاً: شرعية التمثيل الجوهري، تميّز هانا فينشلر بيتكن في كتابها «مفهوم التمثيل» بين شرعية التمثيل الشكلي والتمثيل الجوهري، فالتمثيل الشكلي يكتفي بانتخاب الممثل (النائب) أو حضوره الرمزي دون أن يعكس أفعالاً حقيقية لصالح الذين انتخبوه، أما التمثيل الجوهري فيتحقق عندما يعمل النائب فعلياً لمصلحة المُمثَّلين ويستجيب لاحتياجاتهم لا لمصالحه الخاصة. هنا تُقاس الشرعية ليس بمن انتخب النائب، بل بما يفعله للناس. في هذا الإطار، تحاول حكومة نواف سلام الانتقال من تمثيل سياسي تقليدي إلى تمثيل جوهري في العديد من القرارات والقوانين التي تنجزها، لا سيّما في ملف الإصلاح المالي وحقوق المودعين. غير أن مقاومة جماعات المصالح، خصوصاً المصارف والقوى النافذة، تجعل هذا المسعى مهدّداً بالفشل في ظل ضعف إمكانات الدولة المادية واعتراض الشعب الذي هو في نهاية المطاف المتضرر الأكبر والحلقة الأضعف في هذا العقد الغير متماسك.
رابعاً: شرعية العقد الاجتماعي، يرى جون لوك في المقال الثاني من كتابه «مقالتان في الحكم المدني» أن شرعية العقد الاجتماعي تقوم على موافقة الناس على إقامة سلطة تحمي حقوقهم الأساسية مثل الحياة والحرية والملكية. فالدولة ليست هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لحماية المواطن. وإذا انتهكت الدولة هذه الحقوق أو استخدمت سلطتها بشكل سيئ، يسقط حقها في الحكم ويحق للشعب سحب ثقته منها ومقاومتها. في لبنان، العقد الاجتماعي يعاني من خلل عميق منذ زمن بعيد وخاصة منذ عام 2019؛ تحاول حكومة نواف سلام إعادة ترميمه عبر مسارين: تعزيز السيادة وفرض سلطة الدولة، وإستعادة الحقوق المالية للمواطنين. لكننا لا نزال في المراحل الأولى من تثبيت هاتين المسارين، والنتائج لم تتضح بعد، مما يجعل شرعية العقد الاجتماعي مرتبطة بما ستُحققه الحكومة لاحقاً.
خامساً: الشرعية السيادية - الأمنية، يعتبر توماس هوبز في كتابه «اللفياثان» أن الشرعية تنبع من قدرة الدولة على فرض الأمن واحتكار العنف ومنع الفوضى، فالسيادة تُقاس بقدرة الدولة على حماية الناس وحفظ الاستقرار لا بتمثيل الإرادة أو القيم الأخلاقية، وكل سلطة تفشل في توفير الأمن لمواطنيها تفقد شرعيتها مهما كانت مبرراتها. من هذا المنظور، نرى أن حكومة نواف سلام تولي أهمية خاصة لمسألة السيادة، مشدّدةً على ضرورة تطبيق القرار 1701 وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. لكن مع وجود عوامل داخلية كالأحزاب والطوائف من جهة، وعوامل خارجية إقليمية ودولية من جهة أخرى، تبقى هذه الشرعية غير مكتملة بانتظار ما سيتحقق على الأرض.
سادساً: شرعية الدولة الحديثة (القانون والإدارة)، وفقاً لماكس فيبر في كتابه «الاقتصاد والمجتمع»، تقوم شرعية الدولة الحديثة على سيادة القانون وقدرة المؤسسات البيروقراطية المنظّمة على تنفيذها، ولا ترتكز بأي شكل على الأشخاص. من هنا تكمن قوة الدولة في قدرتها على تنفيذ القرارات ومحاسبة المرتكبين، وعندما تفشل الإدارة أو تتأثر بالمحسوبيات والزبائنية، تتآكل شرعية الدولة حتى لو بقيت قائمة شكلاً. نواف سلام يقترب كثيراً من هذا النموذج، إذ يعتمد على الأطر القانونية والإدارية خاصةً في القضايا المالية، وقد تمت محاسبة بعض المسؤولين المرتكبين، إلّا أنّ التدخّلات السياسية والطائفية وضعف الجهاز الإداري في لبنان وعدم مواكبته التطور التكنولوجي، كلها تُعيق تنفيذ هذا النموذج عملياً.
سابعاً: شرعية الإنجاز، يرى يورغان هابرماس في كتابه «أزمة الشرعية» أن شرعية الدولة تتجلى في تلبية الحاجات اليومية للمواطنين، لا عبر الشعارات. فبالنسبة للمواطن، إن الخطاب السياسي والدستوري لا يعني شيئاً إذا لم يُترجم إلى نتائج ملموسة في حياته اليومية، فهو لا يسأل عن الفلسفة ولا يأبه للصيغة بل عن تأمين فرص عمل، كهرباء، مياه، وإستقرار معيشي. حكومة نواف سلام لا تزال في مرحلة وضع الخطط لمستقبل البلد، ولم تظهر النتائج بعد، وهذا يجعل شرعية الإنجاز مؤجَّلة، علماً أنها أخطر أنواع الشرعيات لأن فشلها قد يُسقط جميع الشرعيات الأخرى مهما كانت قوية ومستدامة.
ثامناً: شرعية العدالة والإنصاف، أما جون رولز في كتابه «نظرية في العدالة» يقدم العدالة بأنها إنصاف، ويرى أن الشرعية لا تُقاس فقط بالإجراءات بل بعدالة توزيع الفرص والأعباء داخل المجتمع حيث يركّز على تكافؤ الفرص بين المواطنين (وظائف، تعليم، صحة، ضرائب)، وعلى ضرورة حماية الفئات الضعيفة عبر سياسات فعّالة وعادلة يتقبّلها الجميع. من هذا المنطلق نرى أن حكومة نواف سلام تبدو ملتزمة بهذا التوجه، فقد قامت بتعيين كوادر كفوءة وفق معايير مهنية عالية، ومن جهة ثانية تحاول جاهدةً حماية صغار المودعين، لكن الواقع الاقتصادي والاجتماعي المعقد يجعل من الصعب الحكم على بعض من هذه الشرعية في الوقت الحالي.
تاسعاً: الشرعية التداولية والفضاء العام، يرى يورغان هابرماس في كتابه «بين الوقائع والمعايير» أن الشرعية تنبع من النقاش العام، لا من فرض القرارات من الأعلى. فالقرار يكون شرعياً عندما يمكن تبريره بالحجج أمام المواطنين، وتفقد الدولة شرعيتها عندما يُغلق هذا الفضاء. أما هانا آرندت في كتابها « الشرط الإنساني» أيضاً تعتبر أن الشرعية تستمد من الفعل الجماعي والمشاركة في الفضاء العام، فالسياسة عندها هي من الكلام بين المواطنين حيث تنشأ السلطة عندما يعمل الناس معاً، وتفقد شرعيتها حين تتحوّل السياسة إلى إدارة تقنية، وهذا يتضمّن الإشادة بالمنتج والنزيه وفضح ومحاسبة الفاشل والمرتكب. من هذا المنطلق نرى أن نواف سلام يستخدم خطاباً شفافاً ولغة واضحة تشرح الواقع والخيارات الممكنة، ما يعكس احترامه للفضاء العام، لكن ضعف إشراك المجتمع المدني والنقابات بفاعلية يحدّ من تحوّل الفضاء العام إلى مصدر فعلي للشرعية.
عاشراً: الشرعية الأخلاقية، يرى أرسطو في كتابه «السياسة» أن الشرعية الأخلاقية تقوم على نزاهة الحاكم وخدمته للصالح العام لا مصالحه الخاصة، فالدولة تكون شرعية عندما تحكم بالفضيلة والعدالة، لا بالقوة أو الوراثة. أما إيمانويل كانط في كتابه «أسس ميتافيزيقا الأخلاق» يرى أن الشرعية الأخلاقية تقوم على احترام الإنسان، فالسلطة تكون شرعية عندما تحاسب المرتكب وعندما تطبّق القانون العادل الذي ينسجم مع الواجب الأخلاقي لا مع المنفعة الخاصة (نظافة الكف، عدم التعسف، احترام الكرامة). في بلد يعاني أزمة ثقة، يُعدّ الرصيد الأخلاقي عنصراً حاسماً، حيث يملك نواف سلام رصيداً عالياً نابعاً من مسيرته القضائية والدبلوماسية البعيدة عن الفساد والزبائنية، فقد عُرف عنه رصانته والتزامه الصارم بالقانون، واستقلاليته عن شبكات النفوذ السياسي والمالي مما يعزّز الثقة به كرجل دولة. هذا الرصيد الأخلاقي يمنحه شرعية نادرة في لبنان حتى قبل نتائج أدائه التنفيذي، لكن هذه السمعة النظيفة لن يكون لها تأثير فعلي على الساحة اللبنانية إلّا إذا إقترنت بنظافة الكف في مؤسسات الدولة التي يديرها.
في الخاتمة يتبيّن أن الشرعية الداخلية لأي دولة تقوم على مزيج متنوع من الشرعيات، لا على مبدأ واحد فقط. تبدأ هذه الشرعية من احترام الدستور والقانون، مروراً بالشرعية الديمقراطية والتمثيل النيابي، وصولاً إلى التمثيل الجوهري الذي يعكس خدمة حقيقية لمصالح الناس مدعومة بشرعية العقد الاجتماعي القائمة على حماية الحقوق الأساسية، ومرتكزة على سيادة الدولة وقدرتها على احتكار القرار الأمني. كذلك، لا تكتمل هذه اللائحة إلا من خلال شرعية الإدارة الحديثة التي تتجسد بالقانون والتنظيم البيروقراطي، وتعتمد بشكل كبير على شرعية الإنجاز الذي يلمسه المواطن في حياته اليومية. ويتعزز هذا البناء من خلال العدالة والإنصاف والانفتاح على النقاش العام، وأخيراً الشرعية الأخلاقية التي تقوم على نزاهة الحاكم واحترام كرامة الإنسان. وعليه، فإن نجاح أي حكومة يُقاس بمدى قدرتها على الموازنة بين هذه الشرعيات مجتمعةً، حيث يكمل القانون الإنجاز، وتدعم العدالة الثقة، ويظل الهدف هو خدمة الناس. وهذا يثبت أن حكومة نواف سلام لا تستند إلى شرعية واحدة بل إلى بنية مركّبة من شرعيات متعددة قيد البناء والتطوير؛ يبقى الشعب في إنتظارالقدرة على التنفيذ والنتائج. لذلك يمكن القول أن الشرعية السياسية الداخلية في لبنان هي مشروع سياسي شاق قيد الإستكشاف والتطوير، وفي وضعه الحالي هو كناية عن جبل شاهق تحاول حكومة نواف سلام تسلقه بأقل الأضرار.