عباس المعلم*
لا تولد التحوّلات الجيوسياسية الكبرى من قرارات مفاجئة، بل من تراكم هادئ لخطوات محسوبة تُنفَّذ في هوامش النظام الدولي، قبل أن تتسلل إلى مركزه. من هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» بوصفه حدثاً دبلوماسياً تقليدياً أو موقفاً سياسياً معزولاً، بل باعتباره تعبيراً متقدماً عن تحوّل في العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية، حيث لم تعد الجغرافيا حدوداً ثابتة، بل صارت أداة متحركة في يد الأمن والاستخبارات.
منذ عقود، أدركت إسرائيل أن أمنها القومي لا يُصان فقط عبر التفوّق العسكري المباشر، بل عبر السيطرة غير المرئية على الممرات الحيوية التي تتدفق عبرها التجارة والطاقة والاتصال العالمي. وفي هذا السياق، تبنّى الموساد منذ سنوات بنية تحتية استخباراتية وأمنية متقدمة داخل الصومال، تشمل شبكات مراقبة واستطلاع وتنسيقاً مع فاعلين محليين، ما جعل إسرائيل عنصراً جوهرياً في توفير الدعم الأمني واللوجستي لإعلان الانفصال. ومن خلال هذه البنية التحتية، لا تسعى إسرائيل فقط إلى كسب حليف سياسي ناشئ، بل إلى خلق شرعية وظيفية تسمح لها بالتحرك العسكري والاستخباراتي على الأرض، ما يحول الاعتراف السياسي إلى منصة استخباراتية متقدمة تتيح لها تثبيت حضور استراتيجي طويل الأمد.
الجغرافيا هنا تلعب دور البطولة. فالساحل الطويل لأرض الصومال على خليج عدن يضعها في تماس مباشر مع واحد من أخطر مفاصل الملاحة العالمية، ومن خلال هذا الموقع يصبح من الممكن مراقبة حركة السفن، وتتبع خطوط الإمداد، ورصد الأنشطة البحرية ذات الطابع العسكري أو شبه العسكري، لا سيما تلك المرتبطة بإيران وحلفائها. وهكذا، يتحوّل الاعتراف السياسي إلى منصة استخباراتية متقدمة، تعمل بهدوء لكنها تُحدث أثراً تراكمياً بالغ العمق.
غير أن هذه الخطوة لا تبقى حبيسة العلاقة الثنائية بين إسرائيل و«أرض الصومال»، بل تمتد ارتداداتها إلى دول محورية في الإقليم. فمصر، التي تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره الامتداد الطبيعي لأمن قناة السويس، ترى في أي حضور إسرائيلي متقدم جنوب باب المندب عنصر قلق استراتيجي، خصوصاً حين يتقاطع مع النفوذ الإسرائيلي المتزايد في القرن الإفريقي وملف المياه المرتبط بإثيوبيا. هنا، لا يعود التهديد مباشراً أو عسكرياً، بل تهديداً بنيوياً يطال منظومة الأمن القومي من أطرافها البعيدة.
أما السعودية، ورغم علاقاتها السياسية المفتوحة مع إسرائيل، فتجد نفسها أمام معادلة دقيقة. فالبحر الأحمر يشكل العمود الفقري لمشاريعها الاقتصادية المستقبلية، وأي عسكرة إضافية غير منضبطة قد تفرض وقائع أمنية جديدة تُضعف قدرة الدول الساحلية على التحكم بإيقاع الاستقرار. إدخال لاعب أمني كثيف الخبرة مثل إسرائيل إلى هذا المسرح، دون إطار إقليمي جامع، يهدد بتحويل البحر الأحمر إلى مساحة تنافس استخباراتي مفتوح، بدل أن يكون فضاء للتكامل الاقتصادي.
في المقابل، تبدو تركيا من أكثر المتضررين استراتيجياً من هذا التحول، فقد بنت أنقرة نفوذها في الصومال على قاعدة دعم الدولة المركزية ووحدة أراضيها، بينما يأتي الاعتراف الإسرائيلي ليضرب هذا الأساس ويعيد إنتاج نموذج الكيانات الانفصالية بوصفها أدوات وظيفية في لعبة النفوذ. وبهذا المعنى، لا يستهدف القرار الإسرائيلي الصومال فحسب، بل يعيد رسم حدود الحركة التركية في القرن الإفريقي.
إيران، من جهتها، تقرأ المشهد بصفته حلقة إضافية في سياسة تطويقها بحرياً. فالحضور الإسرائيلي المحتمل على الضفة الإفريقية لباب المندب يضيف بُعداً جديداً للرصد والضغط ويعقّد قدرة طهران على المناورة غير المباشرة في هذا الممر الحيوي. ولهذا، جاء الرفض الإيراني حاداً، ليس دفاعاً عن الصومال، بل دفاعاً عن عمقها الاستراتيجي البحري. حتى إثيوبيا، التي قد ترى في الخطوة فرصة تكتيكية لتأمين منافذ بحرية ودعم سياسي، تجد نفسها أمام مخاطرة طويلة الأمد. فشرعنة الانفصال في الإقليم قد ترتد عليها داخلياً وتزيد من حساسياتها مع دول الجوار، خاصة مصر والسودان، ما يجعل المكسب الظاهر محمّلاً بألغام استراتيجية مؤجلة.
في المحصلة، لا يمكن فصل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال عن مسار أوسع لإعادة تعريف مفهوم النفوذ في القرن الحادي والعشرين. نحن أمام نموذج إسرائيلي متقدم، يقوم على تحويل الكيانات الهشة إلى أذرع جيوسياسية تُستخدم لتثبيت الحضور وتوسيع الرؤية وتقليل كلفة المواجهة المباشرة، مع دعم استخباراتي مستمر من الموساد وبنية تحتية أمنية تم إعدادها على الأرض منذ سنوات لتسهيل أي خطوات سياسية أو انفصالية. غير أن هذا النموذج، رغم ما يحمله من ذكاء تكتيكي، ينطوي على مخاطر بنيوية كبرى. فتكريس الانفصال، وعسكرة الممرات البحرية، وإدخال الاستخبارات في صلب الجغرافيا السياسية، كلها عناصر تُراكم عوامل عدم الاستقرار، وقد تُنتج فوضى يصعب التحكم بمساراتها.
القرن الإفريقي، الذي يُعاد اليوم تشكيله بصمت، قد يتحول إلى ساحة اختبار قاسية لهذا النهج، والسؤال المفتوح ليس ما إذا كانت إسرائيل قادرة على التمدد، بل ما إذا كان هذا التمدد قابلاً للاستدامة في بيئة تتقاطع فيها المصالح، وتتزاحم فيها القوى، وتغيب عنها التسويات الجامعة. في لحظات كهذه، لا تكون الجغرافيا مجرد مسرح، بل تصبح فاعلاً سياسياً بحد ذاتها، ومن يسيء قراءتها، قد يجد نفسه يوماً محاصراً بما صنعه بيديه.
* كاتب سياسي