لم تعد الغارة الإسرائيلية العنيفة التي هزّت ضاحية بيروت الجنوبية مساء أمس، مستهدفة قائد «قوة الرضوان»، مجرد حدث ميداني عابر، بل هي «الإنذار الأخير» الذي وضع لبنان رسمياً أمام فوهة البركان. هذا التصعيد النوعي كسر قواعد الاشتباك المترنحة أصلاً، وحوّل الساحة اللبنانية إلى «صاعق تفجير» قد يشعل المنطقة برمّتها. في هذا التوقيت القاتل، انتقل الحراك السعودي من مربع «الانتظار المراقب» إلى «غرفة طوارئ» دبلوماسية تقودها الرياض بمسارين: الأول صامت يهدف لانتزاع فتيل الانفجار الإقليمي، والثاني ميداني يسعى لتحصين الجبهة الداخلية اللبنانية، في محاولة هي الأجرأ لترميم «صمام الأمان» الاستراتيجي قبل فوات الأوان.
• «مطبخ القرار»: الأمير يزيد بن فرحان وسباق المسافات القصيرة
تحت دخان الغارات الكثيف، لم تعد الجهود السعودية تدار عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية، بل بات يشرف عليها فريق متخصص يتبنى استراتيجية «الفعل الاستباقي». وفي هذا السياق، تكتسب التحركات المكثفة التي يقودها الأمير يزيد بن فرحان أهمية مضاعفة؛ إذ يتولى إدارة ملف التواصل السريع مع عواصم القرار الدولي لضمان عدم خروج ردود الفعل عن السيطرة.
الأمير يزيد يقود اليوم مساراً يهدف إلى تحويل الصدمة الميدانية الناتجة عن الاغتيال إلى قوة دفع نحو «حل سيادي» شامل. لم تعد الاتصالات التي يجريها خلف الكواليس تهدف فقط لبناء تفاهمات، بل لصياغة «شبكة أمان» دولية تمنع تحويل لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية الكبرى. هذا الحراك يسعى لتوفير غطاء حقيقي للجيش اللبناني ليكون هو البديل والضامن الوحيد على الأرض، في ظل تآكل القوى الأخرى تحت ضربات التصعيد المتبادل.
• الاتصال السعودي - الإيراني: محاولة احتواء «كرة الثلج»
مباشرة عقب غارة الضاحية، جاء الاتصال الهاتفي بين وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الإيراني، ليمثل ذروة الضغط الدبلوماسي «لتبريد» المنابع الإقليمية. الرياض تدرك أن لحظة الاغتيال هي اللحظة الأكثر خطورة لاحتمالية «الانفجار الكبير»، ولذلك حمل الاتصال رسالة حازمة مفادها أن استقرار لبنان لا يحتمل أي مغامرات إضافية أو سياسة «حافة الهاوية». القراءة الاستراتيجية لهذا التواصل تشير إلى أن المملكة تضع طهران أمام مسؤولية كبح جماح وكلائها لمنع تدمير ما تبقّى من الدولة اللبنانية. الرياض أكدت بوضوح أن أي تصعيد إضافي سيكون الاختبار الحقيقي لنوايا التهدئة الإقليمية، وأن «المظلة العربية» لن تكون شريكة في تحمل تبعات قرارات انفرادية تجر البلاد إلى المجهول.
• السفير وليد بخاري: حركة «المكوك» في بيروت القلقة
ميدانياً، لم يهدأ السفير السعودي وليد بخاري؛ فحركته في الساعات الماضية بين المقار الرسمية والروحية لم تعد تهدف فقط للتشاور، بل لفرض «توازن سيادي» يمنع الانهيار الداخلي. البخاري يسعى من خلال لقاءاته إلى خلق «جبهة وطنية» تؤمن بأن الدولة هي الملجأ الوحيد، خاصة بعد أن أثبتت التطورات الميدانية أن السلاح خارج إطار الشرعية لا يوفر حماية حقيقية أمام آلة الحرب المتطورة.
تركّز حركة بخاري الحالية على إقناع المكونات اللبنانية بأن «اتفاق الطائف» هو الميثاق الوحيد الذي يحمي الجميع من التهميش أو الانكسار. السفير السعودي يعمل على ردم الصدوع السياسية لضمان ألا يؤدي الفراغ الرئاسي والميداني إلى سقوط لبنان في فوضى أمنية شاملة، مؤكداً أن الحل يجب أن يكون «لبنانياً بامتياز» تحت مظلة عربية صلبة.
• العقيدة السيادية: السيادة كشرط وحيد للإنقاذ
تتحرك السعودية وفق رؤية جيوسياسية تعتبر أن «وحدانية القوة والقرار» هي المفتاح الوحيد لاستعادة لبنان لدوره. هذه العقيدة ترتكز على مبدأين أصبحا أكثر إلحاحاً بعد غارة الضاحية:
1. رفض المقايضة تحت النار: تؤكد الرياض في جلساتها المغلقة أنها لن تقبل بأي تسوية تمنح أطرافاً محلية مكاسب سياسية مقابل «الهدنة»، بل تصر على أن الدستور والتوازنات التاريخية خط أحمر.
2. شرعية المؤسسات: المعادلة السعودية واضحة؛ إعادة الإعمار والدعم المالي والسياسي مرتبطان بمدى جدية الدولة في بسط سيادتها وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني، لضمان ألا تذهب أموال العرب لتمويل مشاريع تصادر قرار السيادة.
• الحاضنة العربية.. دعم الصمود الشعبي كأولوية
بالتوازي مع الحراك السياسي، يواصل «مركز الملك سلمان للإغاثة» جهوده الميدانية المكثفة للتخفيف من آثار النزوح والدمار الناتج عن التصعيد. هذه الالتزامات الإنسانية تمنح الدور السعودي شرعية شعبية عميقة؛ فهي تؤكد أن المملكة تقف مع «الإنسان اللبناني» قبل أي اصطفاف حزبي. الرياض تهدف من ذلك إلى قطع الطريق على استغلال الوجع الشعبي لتحقيق مكاسب سياسية، موفرة مقومات الصمود للصحة والتعليم كجزء من خطة «الاستقرار الشامل».
• التحدّي الأخير: بين «اللبنانية» والارتهان للخارج
رغم هذا الطموح الاستراتيجي، تدرك الرياض أن طريق التهدئة محفوف بالألغام، لا سيما مع استمرار سياسة الاغتيالات التي تضع الأطراف المحلية أمام اختبارات صعبة. وتعمل الدبلوماسية السعودية، عبر قنواتها المتعددة، على تهيئة الظروف لمسار يؤدي إلى ما يمكن تسميته بـ»الاستقلال الثالث»؛ وهو الاستقلال الذي يحرر القرار اللبناني من التبعية.
إن الرهان السعودي اليوم هو رهان على «الدولة». والمملكة، عبر اتصالات الأمير يزيد وحركة السفير البخاري، تسعى لخلق بيئة سياسية «طاردة للتدخلات». إلا أن السؤال الجوهري يبقى معلقاً فوق أنقاض الضاحية: هل يمتلك «حزب الله» الشجاعة السياسية للتحرر من الأجندة الإيرانية والعودة إلى «لبنانيته الصرفة» لإنقاذ ما تبقّى من الوطن؟ أم سيطيح بكل جهود الإنقاذ ويجرّ البلاد نحو «الانفجار الكبير»؟
إن الإجابة على هذا التساؤل هي التي ستحدد ما إذا كان لبنان سيولد من جديد كدولة سيدة، أم سيبقى حطاماً في مهب المصالح الخارجية التي لا تعترف بحدود أو سيادة.