إحتلت قضية الأمن للدولة العبرية، أي إسرائيل حجر الزاوية في اعتداءاتها،وهي المزروعة في قلب العالم العربي، ليس لتمزيقه وحسب، بل لفرض نظام من العقوبات التأديبية، الإعدامية، بحق العرب، سواءٌ الفلسطينيين أو من ساندهم من دول مجاورة، من مصر الى سوريا، ثم الأردن ولبنان، وعموم الدول العربية الـ 22 ضمن جامعة الدول العربية.
وعلى خلفية الأمن لإسرائيل، بمعنى ترك دولة الإحتلال، التي قامت على أنقاض الشعب الفلسطيني، وطرده من مدنه وقراه، أن تفعل ما تريد، من دون أن يتجرأ أحد من المحتلة أرضهم، أن يرفع كلمة واحدة، بوجه المحتل الاسرائيلي وصولاً الى حمل السلاح لتحرير أرضه مع طلائع الفدائيين الفلسطينيين، الذين كانوا يهتفون ويغنون في مهرجانات الحشد، أو الإحتفالات الوطنية بهذه الكلمات:.. وأنا من حقي، استشهد وحرّر أرضي» ..
كان الفدائيون مصنفين في خانة الإرهابيين حيناً و«المخربين» أحياناً أخرى، إلى أن كان ما كان في اتفاقيات أوسلو التي أدت إلى إعلان قيام السلطة الفلسطينية والانسحاب من غزة، إيذاناً بدخول منطقة الشرق الأوسط، عصر السلام، الذي لم يكتمل على الجهة الفلسطينية ولا بين العرب واسرائيل انطلاقاً من مبادرة السلام العربية التي أقرت في القمة العربية في بيروت عام 2002..
من الفدائيين الفلسطينيين الى الفصائل، والحروب المتعددة من معركة الكرامة في الأردن الى عرقوب لاند» وحرب لبنان 1982، والاغتيالات التي لم توفر نخبة الشخصيات الفلسطينية التي أطلقت الكفاح الفلسطيني بوجه الإحتلال، ولإعادة حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره..
أسفرت حرب الـ 1982 عن ولادة المقاومة اللبنانية وصولاً الى حزب الله كمقاومة اسلامية، هذه الهوية لبست «العمة السوداء» وحركة رجال الدين، الذين تعهدوا بتحرير الجنوب، وفلسطين أيضاً، عبر يوم «القدس العالمي» الذي أعلنه زعيم الثورة الإسلامية في إيران آية الله الخميني..
طرأ على المشهد، تغيُّر هائل ضد دولة الاحتلال: دول من العرب والعجم، وحركات المقاومة، تتحدث ليس عن رمي إسرائيل في البحر، كما كان يردّد أول زعيم لمنظمة التحرير أحمد الشقيري ، بل مسح اسرائيل عن الوجود، كبيت عنكبوت كما كان يردّد السيد الشهيد حسن نصر الله، من زاوية أن زمن الهزائم ولّى، بعد التحرير لجنوب لبنان عام 2000 لا حاجة للمضي قدماً في استعراض وجيز لتاريخ أبرز المعارك والمواجهات والحروب التي لم تنطفئ منذ الأيام الأولى للمشروع الصهيوني، الذي بشَّر به تيودور هرتزل، مؤس الحركة الصهيونية الساعية إلى جبل صهيون في القدس العربية، التي تبذل دولة الإحتلال لجعلها العاصمة الأبدية لاسرائيل.
في مقاربة أجراها وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت والذي أقاله في عزِّ حرب غزة رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتنياهو، تحدث في معرض النظر إلى مسار الحروب بين العرب واسرائيل، انطلاقاً من إنكار حق اسرائيل في الوجود عن كيف أن الحروب جعلت من اسرائيل قوة مقبولة، ولم يتمكن أحد من القادة العرب من إحداث أي خطوة لغير صالحها، ويتوقف الوزير الاسرائيلي المقال، والذي كان جنرالاً قاتل على جبهات عدة عند ما أسماه «السيطرة على قمة التل» من الفشل عام 2006 إلى النجاح في العام 2024، بعد دخول حزب الله في «حرب إسناد» للفلسطينيين في غزة. بعدما أعلن رئيس أركان حركة «حماس» في غزة الشهيد محمد ضيف عملية «طوفان الأقصى» في محاولة شبيهة بما حدث على جبهة حروب الجيوش عام 1973 للذهاب في ما بعد إلى التسويات والإتفاقيات.«حيث انقلب المشهد، ببقاء اسرائيل على قمة التل»،«ودفع حزب الله الى أسفل التل» من دون احتلال لبنان وتهيئة الظروف للتفاوض».
خلال المفاوضات أصرَّت اسرائيل، حسب غالانت على مبادئ ثلاثة: عدم وجود قوات عسكرية جنوب الليطاني، حظر إدخال الإسلحة، وضمان حرية اسرائيل في الرد عسكرياً إذا خرق حزب الله الإتفاق.
نظرة الى المشهد، في ضوء ما تقدّم يتضح أن متطلبات الأمن لاسرائيل تقدمت على ما عداها، وأخذ الوضع يُظهر صورة مكشوفة من التصدع في جبهة لبنان، بصرف النظر عما يحكى أو يشاع عن إعادة بناء القوة الذاتية العسكرية لحزب الله..
الجديد، في المشهد أن الدولة اللبنانية ممثلة بالسلطات والمؤسسات الرسمية، قررت أن تكون اللاعب الأساسي في عملية ما يسمى «استعادة السيادة» أو قرار الحرب والسلم، بعد تغير المعادلات الميدانية والتي تمثلت بـ:
1 - وضع غزة وحماس أمام انتداب دولي أميركي بالغ الخطورة، ولم تتكشَّف مضامينه أو لم تتظهَّر بعد، برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يوجه لـ «حماس» الإنذار تلوَ الإنذار بتسليم السلاح، أو نزعه بقوة السلاح.
2 - اندثار نظام الأسد، الذي كان حليفاً لحركات المقاومة وإيران أو ما كان يسمى بمحور «الممانعة» أو المقاومة لا فرق.. وقيام سلطة بديلة، ما تزال، تعير الأولوية للاتفاقيات الأمنية مع اسرائيل.
3 - وضع إيران أمام محطة أو مفترق طرق: «الإندماج بالنظام العالمي الجديد، الذي يعني تسلم المقدرات، والثروات لسلطة عليا في العالم، هي الولايات المتحدة ومؤسساتها وشركاتها العملاقة في البر والجو وعلى الأرض، وعبر الشركات العابرة لرأس المال والقارات كما حصل مع دول أخرى، كفنزويلا وغيرها ..
ويبدو أن الولايات المتحدة، تعمل على مبدأ «قمة التل» في إدارة صراعاتها أو تبريد خلافاتها أو تصفية حساباتها.. والأنكى في المشهد الدولي المتفلِّت أن لبنان حضر مرتين، ولعامين متتالين في مشاركة دونالد ترامب الرئيس الأميركي في منتدى دافوس الإقتصادي، من زاوية: حلّ مشكلة ما يسمى حزب الله»..
نجح الرئيس نبيه بري في إعادة الروح إلى الحوار المفقود بين الرئيس جوزف عون وحزب الله، أو أقلُّه احتواء الخلاف، قبل الشروع في احتواء السلاح في منطقة شمال الليطاني..
الحرب الإسرائيلية بهذه الطريقة أربح لحكومة نتنياهو، بانتظار إنزال أو عدم إنزال ايران إلى «أسفل التل» في حرب يحشد لها بوارج وطائرات وصواريخ وهذا ما يريح لبنان..