د. محمد دوغان
لم يكن الاعتراف الأميركي عبر الرئيس ترامب بما سُمّي سيادة إسرائيل على هضبة الجولان مجرّد انحراف سياسي عابر، بل شكّل لحظة كاشفة لانهيار الالتزام الفعلي بقواعد القانون الدولي العام، وانتصار منطق القوة على منطق الشرعية. ففي هذا القرار، لم تكتفِ واشنطن بتجاهل القانون الدولي، بل شاركت فعلياً في شرعنة جريمة قائمة على اغتصاب الأرض بالقوة العسكرية.
هضبة الجولان ليست أرضاً متنازعاً عليها ولا إقليماً قابلاً للتأويل القانوني. فهي جزء لا يتجزّأ من الأراضي السورية، احتُلّت عام 1967 في سياق عدوان عسكري واضح المعالم، ولا تزال تخضع للاحتلال حتى اليوم. ومحاولات إسرائيل المتكرّرة لتحويل هذا الاحتلال إلى ضمّ دائم، سواء عبر فرض قوانينها أو تغيير الواقع الديموغرافي والإداري، لا تُنشئ أي حقّ قانوني، بل تعمّق حالة الانتهاك المستمر.
القانون الدولي في هذه المسألة لا يعرف الغموض. فحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة، واحترام سيادة الدول وسلامة أقاليمها، وعدم الاعتراف بالأوضاع غير المشروعة، تشكّل قواعد آمرة لا يجوز تعطيلها أو إعادة تفسيرها وفق المصالح السياسية. وقد أكّد مجلس الأمن الدولي هذه الحقيقة صراحة في قراره رقم 497، حين اعتبر الضمّ الإسرائيلي للجولان لاغياً وباطلاً ومنعدم الأثر القانوني، تجاهل هذا القرار لا يسقطه، بل يعرّي من ينقلب عليه.
الخطورة الاستثنائية في الموقف الأميركي تكمن في انتقاله من موقع الانحياز التقليدي لإسرائيل إلى موقع الشريك المباشر في تكريس وضع غير مشروع. فالاعتراف بالضمّ لا يمثّل رأياً سياسياً، بل يُعدّ مساهمة فعلية في تقويض قاعدة قانونية أساسية يقوم عليها النظام الدولي. وبهذا المعنى، تتحمّل الولايات المتحدة مسؤولية قانونية وأخلاقية عن تشجيع انتهاك جسيم للقانون الدولي.
إنّ التذرّع بالضرورات الأمنية أو بالوقائع المفروضة بالقوة لا يشكّل سوى إعادة إنتاج لمنطق استعماري تجاوزه القانون الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالاحتلال لا يتحوّل إلى سيادة بطول الزمن، ولا تُكافأ الدولة المعتدية بتحويل الجريمة إلى حقّ مكتسب. القبول بهذا المنطق يعني فتح الباب أمام فوضى دولية يصبح فيها العدوان وسيلة مشروعة لتعديل الحدود.
قضية الجولان تكشف بوضوح إزدواجية المعايير في النظام الدولي، حيث تُدان انتهاكات السيادة حين تصدر عن دول معيّنة، ويُغضّ الطرف عنها حين تكون إسرائيل طرفاً فيها وتحظى بدعم أميركي. هذه الانتقائية لا تضعف القانون الدولي فحسب، بل تهدّد بفقدانه أي مضمون إلزامي، وتحويله إلى أداة سياسية لا أكثر.
من منظور المسؤولية الدولية، فإنّ الضمّ الإسرائيلي المدعوم أميركياً يشكّل فعلاً غير مشروع مستمراً، وانتهاكاً لالتزامات قائمة تجاه المجتمع الدولي بأسره، ما يفرض على الدول كافة واجب عدم الاعتراف وعدم المساهمة في تثبيت هذا الوضع غير المشروع. ان الصمت أو التكيّف مع هذا الواقع لا يُعدّ حياداً، بل تواطؤاً ضمنياً مع انتهاك الشرعية.
إنّ هضبة الجولان ليست ملفاً تفاوضياً ولا ورقة مساومة، بل اختباراً حقيقياً لصدقية النظام الدولي. والاعتراف الأميركي بضمّها لا يُنهي النزاع، بل يؤكّد أن معركة القانون في مواجهة القوة ما زالت مفتوحة، وأن الشرعية، مهما جرى انتهاكها، تبقى المرجعية الوحيدة القادرة على فضح العدوان، ولو عجزت مؤقتاً عن ردعه.