بيروت - لبنان

اخر الأخبار

9 كانون الأول 2025 12:05ص سلاح الحزب بين جنوب الليطاني وشماله: قراءتان متصادمتان للقرار 1701

حجم الخط
د. محمد دوغان

في النقاش الدائر حول نطاق نزع سلاح حزب الله بين جنوب الليطاني وكل الأراضي اللبنانية، تبدو الإشكالية اليوم ليست فقط في تفسير القرار 1701، بل في محاولة كل طرف تثبيت سرديّة تخدم موقعه السياسي والأمني. وعند تفكيك النصّ القانوني للقرار، ومقارنته بوظيفة اليونيفيل، وبالآليات التنفيذية التي ظهرت أخيراً في اتفاق وقف الأعمال العدائية لعام 2024، تتّضح صورة أكثر تعقيداً ممّا يقدَّم في العلن.
ولكن منطلق النقاش يبدأ من 1701 نفسه الذي جاء ليعالج نتيجة حرب تموز 2006، ولم يكن مصمّماً لحلّ الملف اللبناني كاملاً. ولذلك حدّد مجال عمل اليونيفيل والجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وهو تحديد مقصود لا يمكن قراءته كعرض جانبي. فالأمم المتحدة لا تقيّد جغرافيا القوة الدولية إلّا عندما تريد حصر التفويض ببيئة محدّدة. وبالتالي، فإن المعنى المباشر والبسيط للقرار هو أن نزع السلاح غير الشرعي أو منع ظهوره علناً مرتبط بمنطقة عمليات اليونيفيل حصراً.
لكن هذا الفهم لا يكفي وحده. فالنص نفسه يتضمّن مبادئ أوسع: دعم بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، ومنع وجود أيّ قوة مسلّحة خارج مؤسّساتها. هذه المبادئ، رغم عموميتها، تُستخدم اليوم كمرتكز لقراءة مختلفة تماماً: إذا كانت الغاية النهائية هي احتكار الدولة للسلاح، فالتطبيق يجب أن يشمل لبنان بأكمله، وليس الجنوب فقط. هنا تتقدّم القراءة الأميركية – الإسرائيلية التي تعتبر أن قرار 1701 وضع إطاراً عاماً لبسط سيادة الدولة، وأن حصر انتشار اليونيفيل لا يعني حصر نطاق نزع السلاح.
ولكن الفجوة بين القراءتين تشكّلت عملياً على الأرض، فلبنان تعامل مع 1701 كاتفاق أمني – ميداني مرتبط بجبهة الجنوب، بينما رأت واشنطن وتل أبيب أنّه وضع حدّاً فاصلاً بين واقعين: جنوب بلا سلاح، ولبنان يجب أن يتّجه بالمنطق نفسه إلى نزع السلاح في باقي مناطقه، ولو تدريجياً. هذا التباين العميق بقي مُجمّداً لسنوات، إلى أن أعاد اتفاق وقف الأعمال العدائية لعام 2024 فتحه بالكامل.
ان اتفاق وقف الأعمال العدائية لعام 2024 لم يأتِ كتفسير للقرار 1701 فقط، بل كآلية تطبيقية تُعيد ترتيب المعادلة. فهو يوسّع منطق «منطقة خالية من السلاح غير الشرعي» ليشمل نطاقاً يتجاوز الجنوب، وينقل النقاش لأول مرة من إدارة التوتر إلى إعادة تعريف دور الدولة في مواجهة أي وجود مسلّح خارج مؤسّساتها. هذا لا يعني أنّه ينقض 1701، بل يذهب به إلى أقصى مداه السياسي: إذا كانت السيادة غاية القرار، فتنفيذها لا يمكن أن يبقى محصوراً جغرافياً. هكذا يتحوّل الاتفاق من صيغة فنية إلى مدخل لتغيير قواعد اللعبة.
أمام هذه الصورة، تصبح المعادلة كالآتي:
• 1701، بمعناه العملي، حصر التدابير التنفيذية مثل انتشار اليونيفيل ومنع أي مظاهر مسلحة في الجنوب فقط.
• لكن 1701، بمعناه السياسي، حمل بذرة صراع مفتوح حول احتكار الدولة للسلاح على مستوى الوطن.
• واتفاق 2024 جاء ليعطي القراءة الثانية قوة قانونية – تفاوضية، ويدفعها إلى حيّز التنفيذ.
بذلك يمكن القول إنّ النقاش لم يعد: هل 1701 يشمل الجنوب أو كل لبنان؟ بل أيّ قراءة تريد القوى الدولية فرضها ليصبح لبنان دولة بلا سلاح خارج مؤسّساتها؟ والفرق بين الطرحين أنّ الأول قانوني – نصي، بينما الثاني سياسي – استراتيجي.
النتيجة أن الإشكال ليس في نصّ 1701 ذاته، بل في الإرادة الدولية اليوم بتحويل الجنوب إلى نموذج ينسحب على بقية لبنان.
ولبنان يقف أمام استحقاق صعب: هل ينخرط في مسار يعيد تعريف دوره الأمني الداخلي، أم يستمر في الدفاع عن القراءة الضيقة للقرار التي حافظت على توازنات ما بعد 2006؟
هذا السؤال هو جوهر الأزمة الحالية، وليس مجرد تفسير حرفي لفقرة هنا أو هناك.