د. محمد دوغان
لم يعد الصمت اللبناني أمام الاعتداءات الإسرائيلية مجرّد خيار دبلوماسي محسوب، بل أصبح سياسة رسمية للتنازل عن حق الدفاع الذي كرّسه ميثاق الأمم المتحدة نفسه.
فبين سلطة تمارس «الشكوى» بدل الردّ، وحزب يمتلك «القدرة» لكنه يختار الحذر، يجد لبنان نفسه في موقع الضحية التي تُقنِع نفسها بأنّ العجز حكمة.
اتفاق وقف الأعمال العدائية لعام 2024 لم يقيّد لبنان كما يدّعي المسؤولون، بل منحَه الحقّ الكامل في الردّ المشروع. ومع ذلك، تُصرّ الحكومة على اللجوء إلى لجنة بلا صلاحية ولا فاعلية، وكأنها وجدت فيها مخرجاً اللهروب من مسؤولية القرار. أمّا حزب الله، الذي طالما قدّم نفسه حارساً للسيادة، فيلتزم صمتاً استراتيجياً يوازي في نتائجه صمت السلطة نفسها.
هكذا، تتقاطع الإرادتان - الرسمية والحزبية - في إنتاج سياسة ضعف ممنهجة: سلطة تخشى المواجهة خشية انهيار الداخل، وحزب يخشى الردّ خشية انهيار التوازن. والنتيجة أن حق لبنان في الدفاع أصبح رهينة الحسابات لا المبدأ، وأنّ السيادة تحوّلت من فعلٍ إلى شعارٍ يُردّد فقط في البيانات.
بين القانون والممارسة: عندما تُفرغ السلطة وحزب الله حق الدفاع من معناه
يُجمع القانون الدولي على أنّ حق الدفاع عن النفس ليس ترفاً دبلوماسياً بل واجب سياديّ. فالمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة لا تُجيز للدول الردّ على العدوان فحسب، بل تعتبره ممارسة مشروعة لحماية الكيان الوطني. ومع ذلك، يتصرّف لبنان وكأنه دولة استعارت سيادتها من الآخرين؛ يشتكي من الاعتداءات الإسرائيلية إلى لجنة بلا سلطة تقريرية، ويتجاهل أن الجهة الوحيدة المخوّلة قانوناً بالنظر في العدوان هي مجلس الأمن الدولي.
في المقابل، يُصرّ حزب الله على الإمساك بقرار الردّ، لكنه يستخدمه كأداة توازن لا كوسيلة حماية. فالسلاح الذي كان يُفترض أن يكون ذراع الدولة في الدفاع، أصبح رهينة قرار حزبي محكوم بالظروف الإقليمية لا بالمصلحة الوطنية. هذا الانفصال بين من يملك القرار ومن يملك السلاح جعل لبنان يقف في المنطقة الرمادية: دولة لا تجرؤ على الدفاع، ومقاومة لا تريد القتال.
النتيجة أن كلا الطرفين - السلطة والحزب - يُسهِمان بوعي أو بتواطؤ في تجميد حق لبنان الطبيعي في الرد. السلطة تبرّر ضعفها بالواقعية السياسية، والحزب يبرّر صمته بالحكمة الاستراتيجية، لكن كلاهما يلتقيان في نقطة واحدة: تعليق السيادة اللبنانية على خيط الهدنة.
نتائج السلوك المزدوج: تآكل الردع وضياع القرار
السكوت الرسمي والحزبي أمام الاعتداءات المتكرّرة لم يحمِ لبنان من التصعيد، بل عرّى هشاشته السياسية أمام المجتمع الدولي. فحين تُهاجم إسرائيل الأراضي اللبنانية ويُكتفى بالبيانات والشكوى إلى لجنة أممية محدودة الصلاحيات، فإنّ رسالة الضعف تتجاوز الحدود؛ إذ تدرك تل أبيب أنّ خصمها غارق في قيود داخلية تمنعه من الرد، وأنّ المعادلة الردعية التي كانت قائمة منذ عام 2006 باتت اليوم منهارة عملياً وإن بقيت نظرياً.
على الصعيد السياسي، جعل هذا الأداء من لبنان دولة بلا قرار نهائي: السلطة تتصرّف وكأن الدفاع عمل استثنائي لا يدخل ضمن وظائف الدولة، وحزب الله يتصرّف وكأنه الدولة الاحتياطية التي تمتلك القدرة وتفتقر إلى الشرعية. بين هذين القطبين، تضيع الدولة الحقيقية - تلك التي يُفترض أن تحتكر قرار الحرب والسلم.
أما على المستوى الإقليمي، فقد تحوّل لبنان إلى مساحة اختبارٍ للنفوذ أكثر من كونه دولة ذات موقف. الأطراف الدولية تنظر إليه اليوم ككيان يكتفي بالتلقي، يشتكي حين يُضرب، ويُبرّر حين يُهان. وهذا السلوك، وإن اتُّخذ باسم الواقعية، يُعمّق فقدان الردع ويُرسّخ صورة بلدٍ يُدار بالأزمات لا بالمؤسسات.
بهذا المعنى، فإن ما يُسمّى «سياسة ضبط النفس» لم يعد سوى قناع دبلوماسي للعجز البنيوي. لا السلطة تملك قرار المواجهة، ولا حزب الله يريد خوضها، والنتيجة أن لبنان يعيش على هامش القرارين معاً: دولة تُدار بالإنذار، وحزبٌ يُقنّن الصمت.
لبنان اليوم لا يُعاني من نقصٍ في البيانات، بل من غياب القرار، فالسلطة التي تتذرّع بالدبلوماسية لتبرير عجزها، تُفرّط بأبسط مقوّمات الدولة: القدرة على حماية النفس. وحزب الله، الذي بُنيت شرعيته على شعار المقاومة، يتحوّل تدريجياً إلى قوة مراقبة تحسب خطواتها بميزان الخارج أكثر مما تزنها بكرامة الداخل.
الطرفان معاً مسؤولان عن تحويل السيادة إلى مصطلح مفرغ من مضمونه؛ الدولة استسلمت لمعادلة «التهدئة بأي ثمن»، والحزب حوّل سلاحه من أداة ردع إلى ورقة مساومة. وبينهما، يُترك الوطن مكشوفاً، يستعيض عن الدفاع بالشكوى، وعن الردّ بالبيانات، وعن الفعل بالتبرير.
لقد آن للبنان أن يختار بين أن يكون دولة تملك قرارها أو ساحة يتناوب الآخرون على إدارتها. فالقانون الدولي لا يحمي الصامتين، والتاريخ لا يرحم من يبرّر ضعفه باسم الحكمة. وما لم يُستعد القرار السيادي الحقيقي - قرار الرد حين يقع الاعتداء - سيبقى لبنان بلداً يُجيد فنّ الانتظار بينما تُنتهك أرضه باسمه.