تاريخ «القبضنة» في لبنان، عريق للغاية، شبيه إلى حد ما بتاريخ الفروسية، لدى الأمم والشعوب الخالية، فلا تخلو قرية أو مدينة، كما لا يخلو شارع، أقلّه من قبضاي واحد، أو من مجموعة من القبضايات.
ساهمت طبيعة لبنان، بهذه الظاهرة المجتمعية. فكان القبضاي، «حلّال المشاكل»، إليه يذهب من أحس بالغبن أو بالظلم، أو بالسغب، للمطالبة بحقه، ممن إعتدى عليه، أو ممن نال منه.
وعرف لبنان الثورات كلها: الطبقية والسياسية والإجتماعية. وتحوّل القبضايات عن حمل العصي والسكاكين، لحمل البنادق والمسدسات.
وغذّت الحروب التي عاشها لبنان، ما في نفوس القبضايات من الشحنات الثورية، ولم يلبثوا أن صاروا ثوارا وزعماء ميليشيات، وصاروا يحكمون القرى والمدن والزواريب. ولم يلبثوا أن تصدّروا الدولة: صاروا زعماء وقادة، وصاروا ملاكا وتجارا. وصاروا أحزابا. واستنجدوا بطوائفهم، وسرعان ما لبّت طوائفهم النداء، فصاروا طائفيين...
وإنعكست «حالة القبضنة» عندنا، على جميع الحكام تقريبا. وقلّما نجد حاكما، لم يمارس «القبضنة» على الشعب. وتشابهت حالاتها على اللبنانيين، أينما كانوا، ولأي طائفة إنتموا. وسرعان ما تلبّست وجوه الصراعات كلها، ولم يندَّ عنها زعيم، ولا إبتعد عنها حاكم أو قائد أو زعيم. وصاروا يمجّدون أعمالهم على الشاشات.
وهذه «الحالة الفريدة»، التي لا نجدها إلّا في لبنان، سرعان ما صار لها بيئات، وسرعان ما صار لها منابر وصحف وإذاعات وشاشات.
وعلى مثل هذه القواعد، وعلى مثل هذه التربية، وفي مثل هذه البيئات، سرعان ما صار الشعب يميل شيئا فشيئا إلى الشجار اليومي، حتى أن وسائل الإعلام جميعها، أصابتها لوثة الشجار.
صار كتّاب المقالات، وأهل القلم، كما دور الصحافة والنشر، تغتذي من ينبوع الشجار نفسه، ويتسمّر اللبنانيون يوميا على الشاشات، ليسمعوا ويشاهدوا بالصوت والصورة، ما قاله فلان عن فلان. وإنحصرت الدنيا كلها، بين «هذين الفلانين»، كما بين أتباعهما، حتى ليكاد يتحوّل الشارع، إلى سوق كناسة، أو سوق عكاظ.
شعب ميّال للشجار منذ أول عهده في السهل أو في الجبل. كانت قائمته لا تقوم إلّا على صرخة من هنا، أو صرخة من هناك، فيهبّ النشامى، ينزلون إلى الشارع، يحتطبون، يتراشقون بالخشب وبالتنك، من الصباح حتى المساء.
شعب نشأ على الشجار الأسري والعائلي والقبائلي، والطوائفي والمناطقي، حتى تمكّن منه، وأصبح حالة ملازمة له، ولهذا تراه دائما عكر المزاج، ميّالا للشجار، يتبعه حيثما كان، في الصين والهند وباكستان، في أميركا وأوروبا والخليج وإيران. الشعب اللبناني هو أول دائما في الشجار، فلا يجتمع رجلان فيه، إلّا على شجار، ولا يجتمع فيه رئيسان إلّا على شجار. صار الشجار في لبنان ثالثة الأثافي، للحكومات وللرئاسات وللطوائف، وللتعبير فقط عن العنتريات، وللفيض بما ورثنا من عادات القبضايات.
شعب ميّال إلى الشجار، لا ينقصه إلّا السيف والترس والدرع الذي كان قد تدرّع به عنترة بن شداد. ولهذا ربما، كلما مرَّ ذكر عنترة بينهما، نهضوا جميعا يكبّرونه، لأنه ما غاب عنهم، إلّا بعد أن أرسى بينهم «مدرسة العنتريات».