دون أن أزعم أبداً كوني من أهل اختصاص الطب النفسي، أعتقد أنّ أسوأ ما يجري لنا في الآونة الأخيرة على المستوى الوطنيّ (نحن سائر اللبنانيين من غير الشهداء والجرحى والمصابين والنازحين وأهاليهم والمتضررين مباشرةً من العدوان "الإسرائيلي") هي حالة نفسية وفكرية صعبة أيضاً، ويعتريها التناقض الوجدانيّ الأليم والحسرة العميقة: ألا وهي التطبيع الكئيب الثقيل والتأقلم المضني المتسارع، في حياتنا اليومية، مع الإجرام الصهيونيّ اليومي البغيض ونير عدوانه على لبنان.
نستيقظ كلّ ليلٍ على أصوات كابوس الغارات المتكررة على بلدنا ثم نواصل نومنا غالباً، ولو على مضض، تقريباً كأنّ شيئاً لم يكن. يشنّ العدوّ الإسرائيليّ ليل نهار أعتى قصفه على لبنان بالطائرات الحربية والمسيّرات المسلّحة القتالية والبوارج البحرية، فيما نحن نستكمل حياةً شبه طبيعية، رغم أشدّ الحزن والأسى والمرارة- أقلّه لدى معظمنا. نسمع أخباراً عاجلة عن تغلغل برّيّ مزيدٍ من قبل "جيش" الكيان المحتلّ في جنوبنا واغتصابه سيادتنا الوطنية وتعديه على استقلالنا، فنكمل، بأغلبنا، المسلسلات الساقطة الهابطة والموائد الفاخرة. نشاهد بأمّ العين معاناة أهلنا النازحين بشدّة، في عزّ الصقيع وزمن الصوم والروحانيّات، مشرّدين على الطرقات وفي داخل السيارات وعلى أبواب المدارس الرسمية وغيرها من المراكز التي يأوون إليها رغم عدم جاهزية البنى التحتية لذلك، ونرى عدّاد الشهداء والجرحى والمصابين من جراء أقسى العدوان يرتفع يومياً، ثمّ يستمرّ مجرى حياتنا رغم أقصى التعاطف الإنساني والوطني والمتضامن معهم ومع ذويهم ومع المقاومة- اللّهمّ من قبل بعضنا.
إذا كانت سنّة الحياة الدنيا هي مواصلتها عملياً ضمن ما هو متاحٌ فعلياً، إلا أنّ ما هو غير طبيعي هو التكيُّف المتفاقم، رويداً رويداً وأكثر فأكثر، مع جرائم العدوّ الغاصب المتمادي كما لو أنها أضحت عرفاً ألفناه وتعوّدنا عليه كجزء طبيعي من يومياتنا اللبنانية. ليت عمري ألّا ينعكس قريباً هذا التطبيع مع العربدة "الإسرائيلية" وغطرستها الترهيبيّة وجبروتها الإرهابيّ تطبيعاً فعلياً مستعجلاً جداً مع الكيان الصهيونيّ نفسه بحدّ ذاته. فهذا الترويض للّبنانيين قد يؤدّي إلى تسريعِ تطبيعٍ مهرولٍ وغير مشروط مع "إسرائيل" دون تأمين وضمان حد أدنى من المعايير الوطنية اللبنانية الضرورية بل الماسّة. مما يشكّل استسلاماً متهوّراً وأرعناً لها ولسياساتها التوسّعية والإستعمارية والإحلالية.
لعلّ أخطر ما في الظاهرة النفسية المقلقة المشكو منها أعلاه هو شمولها أطفالنا ومراهقينا أيضاً: فَهُم الجيل الذي سينشأ ويتطبّع على هذه الصبغة وسيبدأ باستلام زمام أمور البلاد بعد عقدٍ ونيّف أو أكثر. فيما كان قد قال فيهم نزار قباني يوماً في "هوامش على دفتر النكسة": "أنتم الجيل الذي سيهزم الهزيمة". فهل نهزم، من الآن اليأس الفكري والوهن النفسيّ والهزيمة الوجدانية التي في داخلنا، بمن فينا صغارنا وأولادنا، قبل أي وكل شيء آخر؟ هل ننتصر نفسياً ووجدانياً وفكرياً وإرادياً، كأفرادٍ وكمجموعة شعب وطنيّ، قبل أن ننتصر عسكرياً وأمنياً - بل تمهيداً لصمودٍ أمتن ولمقاومةٍ أفعل ولإنجازِ نصرٍ وطنيٍّ إزاء العدوّ، ولو لم يكن انتصاراً كاملاً، ولو كان بالنقاط أو على المدى البعيد؟ فالعامل النفسيّ هو فعلُ مقاومة وطنية أيضاً، وهو بغاية الأهمية لأنّ تداعيات ضعفه خطيرة جداً على مصير الوطن والشعب والسيادة والكرامة والإستقلال والحرية.
المحامي د. غدير العلايلي