من العادات القديمة، في البيوتات العريقة، أن الأهل كانوا إذا ما بدت بين أفراد أسرتهم فتاة فائقة الجمال، وكان لها أخوات تحت سن الزواج، يسارعون إلى تخبئتها، أو تشويهها في وجهها وفي ثيابها، حتى يمرّ عليها الخطّاب، فلا ينتبهوا لسحرها وجمالها.
وكان الشاب الوسيم أيضا، يخشون عليه من أنظار الفتيات اللواتي في سن الزواج. فكان أهله يعمدون إلى تشويه وجهه وهندامه، ويشعثون شعره، ويجعلون على رأسه من القبع، حتى لا يبيّن حسنه، يستأمنون عليه من الأنظار، ويتطيّرون من جماله الفائق الحسن، كي لا يثير الإنتباه، كما حصل لسيدنا يوسف، الذي ضرب المثل بحسنه، فقالوا: «حسن يوسف».
من عوادي الدهر على غزة، أنها، إذا ما وصفت، قالوا عنها: أرض رائعة. فعمد معظم حكامها إلى تشويهها، عن قصد، أو بلا قصد منهم. فكان ذلك لمما تسبب في الطمع بها: أرضا وساحلا وموقعا. فأوغر عليها الأعداء من كل حدب وصوب. وحملوا عليها، حتى تشعثت وهجرها أهلها، على كره أو مضض، أو عن خوف، أو لكثرة الحروب عليها.
غزة الجميلة والساحرة، أثارت في الآونة الأخيرة شهية الرئيس دونالد ترامب، فقرر أن يخفّف عنها من الكيد والعبث والخفّة والفلتان الأمني والعسكري الذي ما ذاقت أرض، مثل ما ذاقته أرضها. حتى باتت بنظر العالم كله، أرضا ضائعة.
ثلاث سنوات من الحرب عليها، بكل أنواع الأسلحة، وقبلها أكثر من نصف قرن من التنكيل بأهلها، كانت كافية لمحقها، كانت كافية لهدمها وجعلها بلقعا أو ركاما، أو ركاميات، على حد ما يرى الشعراء والأدباء والمؤرخون اليوم فيها.
كل ذلك همّ، وطمع الرئيس دونالد ترامب بها، إنما هو همّ آخر. فها هو يدعو لها بمجلس للسلام للإشراف عليها وإدارتها. يريدها أن تكون «ريفيرا الشرق» حقا، هكذا بكل صراحة وبلا خجل من دماء أهلها.
دعوة الرئيس دونالد ترامب، لاقت قبولا سريعا، فتهافت الرؤساء العرب والمسلمون قبل غيرهم، لتكون لهم حصة فيها. وأخشى ما نخشاه، أن تعمّم تجربة غزة، على كل الأراضي الرائعة عندنا. فليست أرض الصومال، إلّا نسخة رديئة عن أرض غزة. فكل أرض رائعة، هي أرض ضائعة، «شاء من شاء وأبى من أبى. ومن لا يعجبه، فليشرب من بحر غزة».
نعيما للعرب والمسلمين أولا، ولسائر الدول الخائفة، على مثل هذا الإنجاز العظيم الذي أنجزه الرئيس دونالد ترامب لهم، وينتظرون أيضا حين تصل الموسى إلى ذقونهم، فيعرض عليهم الرئيس ترامب، إما القبول بمجلس للسلام في بلادهم، أو بحملهم للمحاكمة كما جرى في فنزويلا، فما من حدا أحسن من حدا عنده، ولا توجد بينهم «ذقن ممشطة». وآنئذ ليس أمامهم، إلّا القراءة في دروس كليلة ودمنة، لإبن المقفع الذي مات في التنور، لأنه قال: «أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض».