عباس المعلم*
ليست فضيحة وثائق وتسجيلات جيفري إبستين حدثاً معزولاً في الزمن السياسي العالمي، ولا طارئاً عابراً في سجلّ الانحرافات الأخلاقية للنخب الحاكمة، بل هي حلقة إضافية في سلسلة طويلة من الانكشافات التي تصيب جوهر المنظومة لا أطرافها. إنّها ليست «حادثة»، بل تجلٍّ بنيوي لطبيعة السلطة حين تنفصل عن الأخلاق، وحين تتحوّل القوة من وظيفة سياسية إلى أداة هيمنة، ومن مسؤولية تاريخية إلى امتياز طبقي مغلق. فالفضائح الكبرى لا تولد من فراغ، ولا تظهر فجأة من عدم، بل تنمو ببطء داخل أنظمة مغلقة، حيث تتكاثف السلطة مع المال، ويتزاوج النفوذ مع الحصانة، وتتحوّل الدولة من كيان أخلاقي جامع إلى شبكة مصالح عابرة للحدود. هكذا يصبح الانحراف جزءاً من البنية، لا خللاً فيها، ويغدو الفساد نمطَ حكم لا انحرافَ أفراد. قضية إبستين، بما تحمله من وثائق وتسريبات وتسجيلات، لا يمكن قراءتها بوصفها ملفاً جنائياً فقط، بل بوصفها مرآة سياسية تعكس طبيعة النظام العالمي المعاصر، حيث تتشابك شبكات القرار، ويذوب الفاصل بين الرسمي والخاص، بين الدولة ورجال المال، بين السيادة الوطنية والنفوذ العابر للقارات. وما يخرج إلى العلن ليس إلّا جزءاً ضئيلاً مما هو مخفي، لأن منطق القوة ذاته يعمل على إنتاج الصمت بقدر ما ينتج الجرائم. وليس هذا المشهد جديداً على التاريخ السياسي الغربي، ففضيحة ووترغيت التي أطاحت بريتشارد نيكسون لم تكن مجرد عملية تجسس انتخابي، بل كانت تعبيراً عن دولة ظلّ تعمل بمنطق أمني فوق الدستور، وفضيحة بيل كلينتون لم تكن مجرد علاقة شخصية، بل كانت انكشافاً لثقافة النخب التي تفصل بين الأخلاق العامة والسلوك الخاص، وتُنتج خطاباً قيمياً علنياً تمارَس نقيضه في الغرف المغلقة. ثم جاءت وثائق ويكيليكس لتفتح الستار على البنية العميقة للدبلوماسية الغربية، كاشفة كيف تُدار الدول بمنطق الصفقات السرية، وكيف تُختزل القيم إلى أدوات ضغط، والسيادة إلى أوراق تفاوض، والشعوب إلى أرقام في تقارير استخباراتية، ولم تكن ويكيليكس مجرد تسريب معلومات، بل تفكيكاً سردياً لأسطورة «العالم الحر»، وإعادة تعريف لمفهوم الدولة الحديثة بوصفها منظومة مصالح لا منظومة قِيَم. من فضائح وكالة الاستخبارات المركزية في أميركا اللاتينية، إلى ملفات التعذيب في أبو غريب وغوانتانامو، إلى الحروب القائمة على الأكاذيب الكبرى كما في العراق، تتكرر القاعدة ذاتها: حين تتجرد السلطة من الضوابط الأخلاقية، تتحوّل الدولة إلى كيان وظيفي بلا ضمير، وحين يغيب الضمير، لا يعود السقوط الأخلاقي مفاجئاً، بل يصبح تحصيل حاصل. ليس عبثاً أن تتقاطع أسماء رؤساء وقادة عالميين مع ملفات مشبوهة عبر التاريخ الحديث، فالإمبراطوريات لا تُدار بالبراءة، بل بالصفقات، ولا تُبنى على المثاليات، بل على موازين المصالح، وقد قال دوايت أيزنهاور محذّراً من «المجمّع الصناعي العسكري»، إدراكاً منه أن تحالف المال والسلاح والسياسة يصنع دولة داخل الدولة، بمنطق لا أخلاقي لا يخضع لقيم المجتمع بل لقوانين النفوذ. في هذا السياق، لا تبدو فضيحة إبستين انحرافاً شخصياً بقدر ما هي انعكاساً أخلاقياً لبنية سياسية، فمن يتاجر بالحروب لا يمكن أن يكون إنسانياً في حياته الخاصة، ومن ينهب مقدّرات الشعوب لا يمكن أن يمتلك ضميراً شخصياً نقيّاً، ومن يصنع أنظمة القمع لا يمكن أن يكون سليم القيم في علاقاته الفردية، فالفساد الأخلاقي ليس طبقة خارجية تُنزع، بل هو امتداد داخلي لمنطق الهيمنة ذاته. التاريخ يخبرنا أن الشخصيات التي مارست العنف على مستوى الدول، من الاستعمار الكلاسيكي الأوروبي إلى الإمبريالية الحديثة، كانت تحمل خطاباً أخلاقياً علنياً، لكنها تمارس نقيضه في العمق، وهذا الانفصام بين الخطاب والسلوك هو جوهر السلطة الحديثة: لغة إنسانية، وممارسة وحشية، شعارات قيمية، وبنية استغلالية. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس من ستشمله التسريبات القادمة، بل لماذا نندهش أصلاً؟ ولماذا نفترض وجود أخلاق شخصية عالية لدى من بنى مجده على أنقاض الشعوب؟ ولماذا نتوقع سلوكاً إنسانياً ممن حوّل السياسة إلى تجارة، والحرب إلى استثمار، والدولة إلى شركة؟ السؤال الجوهري لا يتعلّق بالفعل، بل بالبنية التي تسمح بحدوثه، وبالمنظومات التي تقرر توقيت كشفه، ففي الدول الكبرى، وخصوصاً الولايات المتحدة، لا تُدار السلطة من مركز واحد، بل من شبكات متداخلة: منظومات استخبارات، مجمّعات صناعية عسكرية، لوبيات اقتصادية، شبكات إعلام، مراكز أبحاث، وبُنى نفوذ عابرة للمؤسسات الرسمية. ضمن هذا التركيب المعقّد، تتحوّل الفضائح من «أحداث أخلاقية» إلى أدوات سياسية تُستخدم في إدارة الصراع داخل النظام نفسه، فالتسريبات قد تكون نتاج صراع أجنحة داخل الدولة العميقة، أو إعادة توزيع نفوذ داخل منظومات الحكم، أو أدوات ضغط في معارك السيطرة بين مراكز القرار، أو رسائل متبادلة بين شبكات القوة الاقتصادية والأمنية. وبالتالي، فإن كشف الفضائح لا يعني بالضرورة تفكك النظام، بل قد يكون أحد آليات إعادة إنتاجه عبر تنظيف مرحلي، أو تصفية داخلية، أو إعادة ترتيب موازين القوة، فالأنظمة الكبرى لا تسقط عادة دفعة واحدة، بل تدخل مسارات إعادة تشكّل تدريجية، يُعاد فيها توزيع النفوذ، لا تفكيكه. من هذا المنظور، يمكن قراءة فضيحة إبستين، وفضيحة كلينتون، ووثائق ويكيليكس لا كصدمات أخلاقية، بل كمؤشرات على تحوّلات داخل البنية العميقة للسلطة، وعلى ديناميات صراع داخلية في مراكز القرار الغربي، خصوصاً الأميركي. وإذا استمر هذا المسار، فإن العالم يتجه لا نحو انهيار الأنظمة الكبرى، بل نحو تحوّلات بنيوية في شكل إدارتها للسلطة: مزيد من السرّية، مزيد من تفكيك المركزية، مزيد من حكم الشبكات بدل حكم المؤسسات، ومزيد من الصراع داخل النخب بدل الصراع بينها وبين الشعوب، وبذلك تصبح الفضائح ليست علامة سقوط نهائي، بل أداة إعادة تشكيل، وإشارات مبكرة على انتقال النظام الدولي من نموذج «الدولة القائدة» إلى نموذج «منظومات النفوذ المتشابكة»، حيث تُدار السياسة بمنطق الشبكات لا بمنطق الدولة، وبمنطق المصالح لا بمنطق القيم، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: ليس في انكشاف الفضائح، بل في تطبيعها كجزء من آلية الحكم، وفي تحوّلها من استثناء إلى وظيفة داخل النظام السياسي العالمي..
* كاتب سياسي