د. مهى محمّد مراد
لم يعد الحديث عن الأزمات في لبنان ترفاً فكرياً أو مادةً للجدل السياسيّ، بل أصبح توصيفاً يومياً لواقع يهدّد مقوّمات الدولة والمجتمع معاً، وفي خضمّ هذا المشهد المأزوم، تبدو الحاجة ملحّةً إلى بلورة رؤية إنقاذيّة واضحة، لا تكتفي بتشخيص العلل، بل ترسم خارطة طريق عمليّة تعيد الانتظام إلى الحياة الوطنيّة وتؤسّس لمرحلة جديدة من الاستقرار والازدهار.
أولى ركائز هذه الرؤية تكمن في استخلاص العبرة الأساسيّة: إتقان فنّ العيش المشترك بين اللبنانيّين، فالتاريخ القريب والبعيد أثبت أنّ أيّ اختلال في هذه المعادلة يقود إلى انقسامات مدمّرة، لا ينجو من تبعاتها أحد... فإنّ العيش «لبنانيّين - لبنانيّين» ليس شعاراً إنشائياً، بل ضرورة وجودية، تفرضها طبيعة المجتمع التعدديّ، وتؤكّدها التجارب القاسية التي مرّ بها الوطن، فإمّا أن يعاد بناء الثقة بين المكونات المختلفة على قاعدة الشراكة الحقيقية، أو يواجه الجميع خطر الانهيار الشامل.
أمّا الركيزة الثانية، فتتمثل في توحيد التطلّعات الوطنيّة ضمن إطار جامع يستند إلى صيغة العيش المشترك واحترام القوانين اللبنانية المرعيّة الإجراء، فالدولة لا يمكن أن تقوم على تعدّد المرجعيّات أو تضارب الولاءات، بل على عقد اجتماعيّ واضح يلتزم به الجميع، وبالتالي، فإنّ إعادة الاعتبار للقانون، بوصفه المرجعية العليا، تشكّل مدخلاً أساسياً لاستعادة هيبة الدولة وتعزيز ثقة المواطن بمؤسساتها.
وفي السياق نفسه، تبرز أهمية الانتظام السياسي بمختلف أبعاده المتداخلة: المجتمعيّة، والاجتماعيّة، والسياسيّة، والفكريّة، والإنمائيّة، والثقافيّة. فالخلل في أيّ من هذه المستويات ينعكس بالضرورة على سائر المستويات الأخرى، ومن هنا، فإنّ إعادة بناء النظام السياسيّ لا تقتصر على إصلاح المؤسسات، بل تتطلب مقاربةً شاملةً تعيد وصل ما انقطع بين الدولة والمجتمع، وتؤسّس لحياة سياسية سليمة قائمة على المشاركة والمساءلة والشفافية.
ولا يمكن لأيّ مشروع إنقاذيّ أنْ ينجح من دون تشخيص دقيق وموضوعيّ للأوضاع القائمة، فالمطلوب اعتماد أسلوب وصفيّ قانونيّ دستوريّ في مقاربة الأزمات، بعيداً من الشعبويّة أو التوظيف السياسيّ الضيّق، حيث أنّ توصيف الخلل وفق معايير دستورية وقانونية واضحة يتيح تحديد المسؤوليّات، ويفتح الباب أمام معالجات جديّة تستند إلى النصوص والمؤسسات، لا إلى الاجتهادات الظرفية.
أمّا الركيزة الخامسة، فتتمثل في بلورة برنامج حكم متكامل، في معناه الواسع، يرتكز على المبادئ التي كرّسها الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان وسائر الشرعات الدولية المتمّمة له، فلبنان، بحكم تاريخه ودوره، لا يمكنه أن ينأى بنفسه عن المنظومة القيميّة العالمية التي تضع الإنسان وكرامته في صلب أيّ مشروع سياسيّ.
حيث أنّ تبنّي هذه الرؤى لا يشكّل استجابةً لالتزامات دولية فحسب، بل يعكس حاجةً داخليةً ملحّةً لبناء دولة عادلة، تحترم حقوق مواطنيها وتصون حرّياتهم.
في المحصّلة، إنّ إنقاذ لبنان ليس مهمةً مستحيلةً، لكنّه يتطلب إرادةً سياسيةً صادقةً، ووعياً وطنياً جامعاً، واستعداداً للتّخلي عن الحسابات الضيقة لصالح المصلحة العامة. فالرؤية متوافرةٌ، وخارطة الطريق واضحةٌ، ويبقى التنفيذ رهنًا بقدرة اللبنانيّين على تحويل هذه المبادئ إلى واقع ملموس يعيد للوطن توازنه ودوره.