ليس لشعب مؤونة من الذلّ، ما عند اللبنانيين، يكفي أن عقلية الميليشيات لا زالت تتحكّم بهم.
خاضت الدولة الحرب على الميليشيات طيلة العهود الماضية. فأنتصروا للأسف عليها، وتغلغلوا فيها، وصاروا هم نوابها ووزراؤها ورؤساؤها. صارت الدولة للميليشيات حصرا. ومن لم يكن ميليشيويا، فلا حظ له فيها، تغلق في وجهه جميع أبواب الوظائف العامة، «من البابوج إلى الطربوش»، هو وأبناؤه وجميع أفراد عائلته، ولا يستطيع أن ينال وظيفة عامة، دون أن يكون «زاحفا على بطنه»، من باب قائد ميليشيوي مجرّب في محاربة الدولة وفي الاعتداء عليها.
لا يستطيع الشعب أن ينتخب بحرية تامة، فهو مراقب حتما، لا من الدولة التي يناط بها حصرا، كما في الدفاتر، حماية حقّه في حرية الإقتراع والإنتخاب، بل بالقائد الميليشيوي، وبالميليشيا التي يأمرها. وهذا لعمري من أصعب ألوان الذلّ، الذي يحكم اللبنانيين أينما كانوا، في لبنان أو في دنيا الإغتراب. ولهذا ترى الإقتتال اليوم، داخل المجلس النيابي، على قانون الانتخابات النيابة، حتى بلغ السيل الزبى، وإنفضت الجلسة، وبقي قانون الانتخابات مترنّحا، ينتظر أن ينتصر، بـ«معجزة من الأقدار».
قانون الانتخابات النيابية يختصر مؤونة ألوان الذلّ كلها، فلا يسمح بالعدالة، ولا بالحرية، ولا بالديمقراطية. فقد إفتقد الشعب اللبناني هذا «المثلث من الرحمات»، منذ أن جعلت الميليشيات، الانتخابات على قياسها، وأحكمت إغلاقها، وشدّت حزامها. جعلتها انتخابات طائفية بحتة، وجعلتها انتخابات مناطقية بحتة، وجعلتها انتخابات عائلية بحتة، وجعلت عليها زعيما ميليشياويا، يسهّل ويسلس له إنقيادها.
العقلية الميليشياوية، إنما هي رأس البليّة والبلاء في لبنان. هي التي تحرم لبنان كل شيء: الماء والكهرباء، والمدرسة الرسمية، والجامعة كذلك. هي التي تحرم الطرقات الزفت، وتذيق اللبنانيين «زفت الحياة». فلا يستطيع المواطن اللبناني، أن ينال حقه، لأنه مسلوب الحق أصلا، من خلال قانون إنتخابي ميليشياوي، مكتمل الصفات.
ليس في العالم كله، قانون إنتخابي على شاكلة هذا القانون الإنتخابي الميليشياوي بإمتياز. فالناخبون هناك سواسية أمام صندوق الإقتراع، بينما يوزعون عندنا، على الميليشيات، والكلمة الفصل لهم، فهم منتصرون دائما، وهم فائزون دائما، وهم متصدّرون في الدولة دائما. وأما الشعب، فهو تحتهم، يذوق طعم الموت كل يوم، على الطرقات وعلى أبواب المستشفيات، وتحت الركام، سواء بسواء.
عقلية الميليشيات وحدها، هي التي إستجرت وجرّت الحروب إلى لبنان، منذ تأسيس الكيان وحتى اليوم، لأنها وريثة عقلية الاستعمار، غادرنا وجعلها مكانه، ينال من خلالها ما يناله: أرضا ونفوذا وأوراقا ومستندات ومعاهدات.
قانون الانتخابات النيابية، متى يكون قانونا عصريا، لا تتحكّم فيه عقلية الميليشيات؟ متى يصير قانونا لبنانيا بحتا، لا يخدم الميليشيات، ولا أسيادهم من خلفهم؟ متى يجري عندنا على القواعد التي يجري عليها في العالم، بلا زيادة ولا نقصان؟
قانون الإنتخاب، إنما هو مؤونة ألوان الذلّ كلها اليوم. فمتى يتحرّر لبنان واللبنانيون من عقلية الميليشيات؟ متى يكون لهم قانون عصري للانتخابات؟...
* أستاذ في الجامعة اللبنانية