إذا كان تزايد الحديث عن قرب التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية، دون بروز أي مؤشرات ميدانية تصب في هذا الإطار، فإن الحرب الإسرائيلية على لبنان لا زالت في تصاعد مستمر، يوحي بكثير من الوضوح أن الأمور ذاهبة إلى مزيد من التعقيد المفتوح على شتى الاحتمالات، مع انسداد مخارج التسوية وإقفال باب الحلول السياسية . وهذا ما لمسه المسؤولون اللبنانيون من الموفدين العرب والأجانب الذين زاروا لبنان في الأيام الماضية . ورغم الأجواء السلبية القائمة، فإن لبنان لم يتخل عن مبادرته التفاوضية التي أطلقها رئيس الجمهورية جوزاف عون، لا بل أنه أكثر إصراراً عليها من أي وقت مضى، باعتبارها المخرج الوحيد من هذه الحرب التي خلفت أكثر من ألف وثلاثمائة شهيداً، وهجرت ما يقارب من مليون ونصف المليون لبناني . وقد أبلغ الرئيس عون زواره الأجانب، أن مستعد للسير بالمفاوضات في حال وافقت إسرائيل على ذلك، سيما وأن الحرب، كما في كل المرات السابقة لن تقود إلى تحقيق أي شيء .
لكن في المقابل، فإن رفض حزب الله لأي مفاوضات مع إسرائيل، باعتبار أنه كما تقول أوساط سياسية، ما زال قابضاً على قرار الحرب والسلم خدمة لايران، ما يجعله المفاوض الرئيسي على الورقة اللبنانية، لأنه متى استعادت الدولة حقها بالتفاوض ، فإن إيران ستخسر هذه الورقة حتماً . وتعتبر أن هناك خطراً داهماً يهدد بإطالة أمد الحرب، في ظل استدعاء المزيد من جنود الاحتياط الاسرائيليين، فيما أخذ "حزب الله" قراره بزج لبنان في خطر كياني . وانطلاقاً من هنا، فإن لبنان اليوم، وفقاً لما تقوله الأوساط، في سباق مع الوقت كي تحسم الدولة اللبنانية أمرها وتباشر بحصر السلاح غير الشرعي، وتفعيل المسار الدبلوماسي قبل أن تتوسّع العملية البرية الاسرائيلية مع ما يرافقها من دمار ونزوح ومآسي اقتصادية واجتماعية يدفع ثمنها كل اللبنانيين . وإذا كان رئيس مجلس النواب نبيه بري لا زال على موقفه المعترض على سلوك طريق المفاوضات، إلا أنه في الوقت نفسه مستاء من توريط حزب الله للبنان في حلقة الدمار المفرغة، بعد أن كان هو نفسه قد فاوض على اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، وإن كشف عن مشاورات قد تقود إلى وقف إطلاق النار، لكن دون كشف المزيد من التفاصيل .
وتؤكد الأوساط، أن استمرار المواجهة الحربية يضع لبنان كله في دائرة الخطر، اقتصادياً وأمنياً وإنسانياً . وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن "حزب الله" لم يأخذ مصلحة لبنان بالاعتبار، كما هي الحال في جميع مغامراته . وهذا يثبت أن مصير الحرب متصل بمصير النظام في إيران، وهو ما يرفضه اللبنانيون الذين يريدون بلداً سيداً يقرر مصيره بنفسه، سيما وأن الحزب قدم الدعم لايران لتقوية موقفها في هذه الحرب، ولكن ما الضمانة في حال وصلت ايران لوقف اطلاق نار أن يشمل الحزب الذي تدفع بيئته وجميع اللبنانيين اليوم ثمن دعمه للنظام الايراني؟، مشددة على أن حصرية السلاح بيد الدولة ليست خياراً سياسياً بل شرط أساسي لقيام دولة حقيقية. فما يحصل اليوم يؤكد صحة هذا المطلب أكثر من أي وقت مضى. عندما يكون هناك أمرة للحرس الثوري الإيراني على حزب الله خارج إطار الدولة، فهذا يعني عملياً أن قرار الحرب والسلم لا زال خارج السيطرة .
وفي الوقت الذي لا زالت تداعيات اكتشاف دول خليجية خلايا تخريبية تضم عناصر تنتمي إلى "حزب الله" تتفاعل، فقد أكدت مصادر قضائية أن لبنان أبلغ دولاً خليجية استعداده للتعاون الكامل، في أي ملف قضائي يتصل بهذه الشبكات . وهناك استعداد لبناني للتنسيق مع الجهات القضائية والأمنية في هذه الدول، حرصاً على متانة العلاقات بين لبنان وأشقائه في دول مجلس التعاون الخليجي. وأشارت إلى أن التعاون القضائي مع الكويت أو الإمارات أو البحرين، أمر مطلوب وضروري، لتقديم ما يلزم لهذه الدول في إطار استكمال التعاون القضائي لما فيه مصلحة المصلحة المشتركة، سيما وأنه صدر في لبنان قرار واضح عن الحكومة اللبنانية التي تعتبر أن كل نشاطات حزب الله العسكرية مخالفة للقانون، وبالتالي لم يعد من حق لحزب الله أن يمتلك السلاح ويقوم بأعمال عسكرية، فكم بالأحرى الحديث عن أعمال تخريبية في دول شقيقة للبنان .