يوماً بعد يوم، وبوتيرة أكثر دموية، تعيد إسرائيل كتابة مأساة الجنوب اللبناني بحروف من دم ونار. التوغل البري يتسع، والقرى تسوى بالأرض أمام مرأى العالم، فيما تفيض منصات التواصل بإنذارات الاستهداف التي لم تعد مجرد عمليات عسكرية، بعدما طالت مدننا وقرانا الجنوبية، وآخرها تحذيرات إخلاء لمدينتي صور والنبطية التاريخيتين، إضافة إلى الخيام وبنت جبيل ومرجعيون وعشرات القرى الأخرى التي كانت آمنة حتى تقرر جعلها مع باقي مدن وقرى لبنان رهينةً لمؤازرة حماس.
ما يحدث ليس مجرد قتال على جبهة حرب، بل خطة جيوسياسية محكمة للتطهير الجغرافي والتغيير الديموغرافي، ترتدي لبوسًا عسكريًا وغطاءً دعائيًا تحت عنوان «إبعاد خطر حزب الله عن إسرائيل». المشهد لا يقتصر على الاجتياح البري، بل يتزامن مع تصفيات منهجية لشباب الجنوب، واغتيالات طالت قيادات ميدانية، وتهديدات باستهداف قادة سياسيين، إلى جانب تدمير ممنهج للبنية التحتية العسكرية من أنفاق ومواقع، وسعي لتقليص القدرات العسكرية قبل تفكيك النفوذ السياسي. في المقابل، يرد حزب الله بإطلاق مسيراتٍ انقِضاضِية قصيرة المدى تعمل بالألياف البصرية، وتثبت نجاحًا تكتيكيًا محدودًا، لا يتجاوز دورها إرباك جنود العدو وإحراج قيادتهم، لكنها أعجز من أن تشكل رادعًا يوقف الزحف أو النزف في الأرواح وتهديم الممتلكات. هذا التفاوت الهائل في القدرات يضع لبنان والحزب في موقع العجز عن الرد أو عن إجبار العدو على الانسحاب. هذا الواقع المرير يطرح سؤالًا وجوديًا: أين المنطق في التمسك بخيارات غير مجدية، بينما تتحدث الأرقام وتتناقل رسائل التواصل عما يشير إلى أن الخسائر فادحة؟
أرقام الشهداء بالآلاف في حين أن الخسائر في صفوف العدو لا تتجاوز عشرات القتلى. إسرائيل تخترق الجغرافيا اللبنانية بأكملها، ومقاتلو الحزب، رغم تضحياتِهِم الجسام، يعجزون عن حمايةِ أرضِهِم ويرتدون تحت وطأة آلة الحرب. تجاوز عدد القرى المدمرة بالكامل العشرات، ونحو 10% من مساحة لبنان أصبحت تحت الاحتلال، والباقي تحت رحمة النيران البرية والبحرية والجوية. أكثر من مليون نازح ينامون في المدارس ودور العبادة والمرائب والأرصفة. القطاع الزراعي في الجنوب والبقاع دمر باستثناء زراعة القنب الهندي التي تحظى بقبول بعض المسؤولين، والصناعة معطلة، والسياحة مفقودة، والتجارة تكاد تنعدم لولا الاتجار بالممنوعات. الخسائر المباشرة تقدر بـحوالي 15 مليار دولار، وغير المباشرة بحوالي 20 مليارًا، وذلك في بلد كان أصلاً مفلسًا وعلى شفا مجاعة لولا تحويلات المغتربين، الذين يخشى ترحيل الكثير منهم بسببِ ضلوعِ بعضِهِم في شبكاتٍ إجراميةٍ تعمل لصالِحِ إيران. المشكلة الأعمق أن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى أعذار؛ فهي تتخِذ من رفضِ حزب الله تسليم سلاحه شماعة لعدوانها، ومن الدعم السِياسي الأميركي ـ الأوروبي غطاءً للتلطي خلفه. والمفارقة المأساوية أنه كلما أعلن الحزب أن سلاحه مقاومٌ وصانع الانتصارات، يأتي الرد الإسرائيلي باجتياحٍ مساحاتٍ جديدة. نخشى حال طالت الحرب وتكررت الانتصارات أن نخسر آخر شِبرٍ من جنوبِ لبنان.
بعض اللبنانيين كلنا أو بعضنا نعيش حالة إنكارٍ جماعية: دولةٌ مفككةٌ تتحكم فيها ميليشيات، ونصِر على أنها ديمقراطيةٌ رائدة. نؤله الأشخاص ونبرِئ أسوأ المجرمين، ونصدِق أن سِلاح الحِزبِ قادرٌ على ردعِ إسرائيل ويحمي لبنان، بينما العدو ينعم باستقرارٍ داخِلي وازدِهارٍ اقتِصادي وتفوقٍ عِلمي. مساكين نحن، مأخوذون بخِطاباتِ النصرِ المؤزر بعونِ الله، تعمينا الخِطابات الصداحة عن الفقرِ والتخلفِ والفساد، وعن مشاهِدِ الدمارِ واقنعتنا أن الإعمار والازدهار للحجرِ لا للبشر.
أكتفي بهذا القدرِ من التشخيص لأقول: إن استِمرارنا في دوامةِ «الصبرِ الاستراتيجي» وصِراعاتِ المحاورِ وحروبِ الاستِنزافِ يشبه تعلقنا بمشهدِيةٍ مسرحِيةٍ عبثِية. تتطلب الاستفاقة من حلمِها صحوةً عقليةً تطرح سؤالًا مشروعًا: ماذا ينتظر قادة الحزب من إصرارِهِم على تمسكِهم بالسِلاح ووحدةِ الساحاتِ وارتِباطِ الجبهات»؟ استِكمال المشروعِ الصهيوني! أم القضاء على ما تبقى من أهل الجنوب! ألم يدركوا بعد أن الجنوب يسير على طريق غزة، وتحت ذات الشِعار «إما النصر أم الشهادة»، يعلنون عن سعيهم لرمي إسرائيل في البحر؟ من دون أن يدركوا أن تلك الشِعاراتِ تستغل لِجعلِ لبنان ساحةً لتصفِيةِ حِساباتِ إسرائيليةٍ ـ إيرانية.
لقد أدى استغلال إيران لحزب الله كذراعٍ لضربِ الخاصرةِ الإسرائيليةِ إلى إدخالِ لبنان في نفقٍ مظلِم. إخراجه منه يتطلب قرارًا جريئًا قبل انهيارِ السقفِ على الجميع. ولا يمكن الخروج من هذا النفقِ دون فكِ ارتِباطِ الحزب بمِحورِ الممانعة. لكن هذه ليست إشكالية فلسفية، بل مسألة عملية: لا يمكن حلها بقرارٍ داخلي سِياسِيٍ أو عسكري ـ قسري.
لا بد لأيِ حل لكي تكتب له الحياة من أن يبدأ من داخِلِ الطائفةِ الشِيعِيةِ نفسِها. وبالتحديد من: مثقفيها، قادتِها الروحِيين المعتدلِين، وجهائها، وقضاتِها السابقين، وضباطِها المتقاعِدين، جميع هؤلاءِ مدعوون اليوم لتحملِ مسؤولِيةٍ تاريخِية. لأن السكوت عما يحدث في معرضِ الصِراعِ لم يعد موقِفًا سلبِيًا، بل جريمةً بالامتِناع. وبالتالي على العقلاء في الطائفةِ الكريمةِ أن يبادروا وقبل فواتِ الأوانِ إلى فتحِ حِوارٍ جادٍ ومسؤول مع قيادةِ الحِزب، يضعون أمامها ثلاثة خياراتٍ لا رابع لها: أولاً، الإعلان عن الاستعدادِ لوقفِ إطلاقِ النار مقابل وقف تمدد الجيش الإسرائيلي، والموافقةِ على تسليمِ السِلاحِ للجيش اللبناني وفق جدولٍ زمني يرعى انسِحابًا إسرائيليًا على مراحِل، وإطلاق سراحِ الأسرى اللبنانيين، وحصر حِمايةِ الحدودِ بالجيش اللبناني بضمانةٍ أمريكِيةٍ بوقف الاعتِداءاتِ الإسرائيلِية. ثانيًا، فك الارتباطِ العضوي بالحرسِ الثوري الإيراني والامتناع عن قبولِ أيِ دعمٍ خارِجي لا يراعي الأطر الدستورية والقانونية، والإقرار بأن الصِراع مع إسرائيل منفصِل عن الصِراعِ الإيراني - الإسرائيلي. ثالثًا، الموافقة على ترتيباتٍ أمنيةٍ دولِيةٍ على الحدودِ الجنوبِية، والتحول من تنظيمٍ مسلحٍ إلى حِزبِ سِياسِي لبناني محلي.
صمت المثقفين الشِيعةِ بخاصة، واللبنانيين عامة، ينشر ثقافة «ما خصنا» في الوقتِ الذي يدمر فيه لبنان. على المثقفين من ضباطٍ وأطباء ومحامين وكتابٍ وفنانين وجامِعيين وسائرِ الموظفين المتقاعدين في الطائفةِ الشِيعِيةِ أن يخرجوا عن صمتِهِم. والتداعي في ما بينهم لمؤتمرٍ جامعٍ بغرضِ إقرارِ وثيقةٍ وطنيةٍ يدعون فيها إلى تحكيمِ العقل، والتخلِي عن لغةِ «الانتصاراتِ الوهمية» أمام كل تلك الخسائر التي لحقت بلبنان وبأهلِ الجنوب على وجهِ الخًصوص، ورفضِ أساليبِ التهديد والوعيدِ والتهويل والتخوين والتنفير..... كما التعبير عن رفضِ المقارباتِ الشعبوِيةِ والشِعاراتِ العاطفيةِ التي تحصر الكرامة والشرف والوطنِية بخياراتِ الحرب، في الوقتِ الذي تكون الكرامة والشرف الحقيقيين يتمثلانِ في حِمايةِ المدنيين والتخفيفِ من معاناتِهِم وتفادي إذلالهم باحتياجاتِهِم المعيشِية والعملِ الجادِ لإعادتهم سريعًا إلى قراهِم ومنازِلِهم التي هجِروا منها. والمثقفون غياهم مطالبون بالمبادرةِ إلى تنظيمِ وقفاتٍ احتِجاجِيةٍ وتحركاتٍ شعبِيةٍ ضاغِطةٍ لوقفِ الأعمالِ القِتالِية، والسعي إلى تحقيقِ بيئةٍ وطنِيةِ جامِعة. هذه المبادرة ليست خِيانة لشعار «شيعة شيعة»، بل محاولةٌ لإنقاذِ ما تبقى من مدنِ الجنوبِ وقراه، وعدمِ التفريطِ بحياةِ أبنائِه الذين يقدمون على مذابحِ ساحةِ حربٍ غير متكافئة وخِدمةً لمشاريع واهِية مشبوهة.
وبموازاةِ المبادرةِ الوطنِية، لا بد من إطلاقِ مبادرةٍ عربية - دولِيةٍ تتمثل في تشكيلِ لجنةٍ تتولى الاتِصال بمن يعنيهم الأمر في إيران لإقناعِهِم بوقفِ جميعِ أشكالِ الدعمِ لِحزبِ الله، وحصرِ علاقةِ إيران بلبنان وفق الأطرِ الرسمِية، وعدمِ استِخدامِ لبنان كورقةِ ضغطٍ في صِراعِها مع إسرائيل أو غيرِها من الدول. كذلك تقديم طلب رسمي إلى مجلس الأمن لتمديدِ ولايةِ قواتِ «اليونيفيل» أو الاستعاضةِ عنهم بنشرِ قواتٍ دولِيةٍ موسعةٍ في الجنوب، توكل إليها مهمة الفصلِ بين القواتِ العسكريةِ النِظاميةِ على جانبي الحدود، ومنعِ أيِ وجودٍ عسكرِيٍ غيرِ نِظامي في لبنان. وفتحِ ممراتٍ إنسانيةٍ للقرى المحاصرةِ بالتنسيقِ مع الصليبِ الأحمرِ الدولي، بغضِ النظرِ عن أيِ تفاهمٍ سِياسي. هذا بالإضافةِ إلى وضعِ آلِيةٍ متكامِلةٍ لتسليمِ سلاحِ الحزبِ إلى الجيش اللبناني تنفذ على مراحل فصلية، يتم خِلالها نقل الصواريخِ قصيرةِ المدى والمسيراتِ إلى ثكناتِ الجيش اللبناني بضماناتٍ دولِية، ووضعِ الأنفاقِ تحت إدارةِ الجيش أو تحويلِها إلى مستودعاتٍ مدنِيةٍ أو متاحِف رمزِيةٍ تحت إشرافٍ أممي.
كل يومٍ يمر دون مبادرةٍ وطنِيةٍ جريئةٍ هو بمثابةِ مأساةٍ إضافِيةٍ تضاف إلى سِجِلاتنا الحافلةِ بالمآسي والحروب والأزمات. إن السكوت عن تحويلِ الجنوبِ إلى أطلال، وتجاهلِ انكشافِ الجغرافِيا اللبنانِيةِ بكامِلِها عسكريًا ورقميًا أمام إسرائيل، هو موتٌ محتمٌ للحزبِ وبيئتِهِ الحاضِنةِ كما للدولةِ والوطن.
لقد آن الأوان لنقول بصوتٍ عالٍ: لا لحروبِ الآخرين على الأراضي اللبنانية، سواء مباشرةً أم بالوِكالة. وليكن هذا الصوت صادِحًا، معبِرًا عن معاناةِ الجنوب، وأهله، كما عن رأي عقلائهِ ومثقفيه، قبل أن تودي بنا الاندفاعات والمواقف المتهوِرةِ في أتونِ حروبٍ متلاطِمة قد لا ننجو منها بسلام. أمامنا أسابيعٌ معدودات وربما أيام، لإنقاذِ ما تبقى. وإلا سنجعل من لبنان مجرد كيانٍ بلا هوية، أرضه مستباحةٌ وشعبه منكوب. الخيار لم يزل بمتناولِ أيدينا ولو نظريًا، فهل من يجرؤ على التحرك قبل فوات الأوان؟