محمد المشنوق(*)
بعد سنة من التكريم والاحتفال بعيد ميلاده المئوي غادرنا البروفيسور وليد الخالدي بعد ان كرّس حياته من أجل حلم فلسطين، وبعد ان ساهم من طفولته القدسيّة وحتى أغمض عينيه بالأمس بكل ما ارتبط بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي.
صعب تلخيص ما سعى اليه وليد الخالدي وأصعب حتماً تلخيص انجازاته ومبادراته ومطرقته في توعية كل العرب على المخاطر وإهمال الفرص التي أوصلت فلسطين الى العالمية.
أول لقاء معه كان في الجامعة الاميركية في بيروت في بداية الستينات وكان استاذنا في العلوم السياسية يدخل الصف رافعاً شعره الذي يغطي نصف جبينه ومخاطباً الطلّاب بلهجته البريطانية وببطء اعتقدناه محاولة منه لإفهامنا ما اسقطته اللهجة ولحرصه على شدّنا وتوعيتنا. وما كان يلفتنا آنذاك هو انه كان واضحاً بمواقفه الفلسطينية وسط الإنقسام العربي والدولي والطالبي في جامعتنا الحبيبة.
آخر لقاء معه كان في الولايات المتحدة في العام 2000 رغم اننا التقينا في الامم المتحدة عام 1974 برفقة ياسر عرفات بينما كنت ضمن وفد الرئيس سليمان فرنجية الذي كان يمثل لبنان والدول العربية. طبعاً حمل هذا المفكر العربي مهمة ابراز التاريخ الفلسطيني ساعياً الى تحقيق دولة فلسطين. ولكنه كان ينتقد عدم قيام الدول العربية بانتهاز الفرص الدولية.
من المفيد مرافقة هذا المفكر البارز في تطوره والادوار التي لعبها ضمن القيادة الفلسطينية والتسويق الذكي لدولة فلسطين.
ولد وليد أحمد سامح الخالدي في مدينة القدس في السابع عشر من تموز عام 1925، ودرس المرحلة الأساسية على يد والده وفي مدرسة الفرندز Ramallah Friends School في مدينة رام الله، والمرحلة الثانوية في المدرسة الإنجيلية في القدس، وحصل منها على الثانوية العامة، ونال درجة البكالوريوس في التاريخ الإغريقي والروماني واللغة اللاتينية من جامعة لندن عام 1945، ودرجة الماجستير في الآداب من جامعة أوكسفورد في بريطانيا عام 1951. عُيِّن معلما في كلية الأمة في القدس قبل عام 1945، وعمل في المكتب العربي في القدس، وأعدَّ أوراق الدعوى الفلسطينية التي عُرضت أمام لجنة التحقيق الإنكلو – أميركية عام 1946، وعمل محاضرا في كلية المقاصد في بيروت، ومحاضرا في كلية الدراسات الشرقية في جامعة أكسفورد حتى عام 1956، حيث استقال منها احتجاجا على العدوان الثلاثي على مصر، ثم عمل أستاذا للدراسات السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت حتى عام 1982، حيث ترقى خلال ذلك لدرجة الأُستاذية (بروفيسور)، ثمَّ عمل محاضرا في التاريخ في جامعة هارفارد Harvard University في الولايات المتحدة، وباحثا في مركز هارفارد للشؤون الدولية، ومحاضرا في جامعة برنستون Princeton University في الولايات المتحدة، وباحثا مشاركا في معهد دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفارد بين عامي (1982-1996).
شارك وليد الخالدي في كتابة خطاب ياسر عرفات الذي ألقاه في الأمم المتحدة عام 1974، وكان من أوائل من دعوا علناً إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة، حيث نشر مقالة له عام 1978 بعنوان دولة فلسطينية مستقلّة ذات سيادة، وكان عضواً في الوفد الفلسطيني الأردني المشترك في محادثات السلام في الشرق الأوسط التي انطلقت في مؤتمر مدريد عام 1991. نشط الخالدي في العمل المؤسساتي العلمي خدمة للقضية الفلسطينية، حيث أسس مع قسطنطين زريق وبرهان الدجاني مؤسسة الدراسات الفلسطينية عام 1963 وكان مديرها العام حتى عام 2016، وتعتبر هذه المؤسسة من أوائل المؤسسات التي عملت على رفد المكتبة الفلسطينية والعربية والعالمية بالأدبيات حول القضية الفلسطينية وملفاتها، وكانت حاضنة للباحثين في الشأن الفلسطينة.
كتب وليد الخالدي عن النكبة عام 1948 ومآلاتها السياسية والاجتماعية والثقافية، والقرى المدمرة، وقضية اللاجئين، ومسار التسوية، ومدينة القدس.
خضع الخالدي لتأثيرين أسهما في تكوينه الفكري والعلمي: التأثير العربي الإسلامي الذي ناله من والده أحمد سامح وجدّه راغب الخالدي، ثم التأثير العلمي الغربي الذي تلقّاه على يدي جيروم فاريل، الأستاذ في جامعة كامبردج، الذي كان مديرا للتربية والتعليم في فلسطين إبان الانتداب البريطاني.
واصل التدريس لعقود في الجامعة الأميركية في بيروت وجامعة هارفارد ومؤسسات أخرى، وشكل أجيالًا من الطلاب – أصبح العديد منهم علماء ودبلوماسيين وقادة بارزين. وبالتوازي مع عمله الأكاديمي، ظل الدكتور الخالدي منخرطًا بعمق في الحركات السياسية والفكرية في العالم العربي، وخاصة صعود القومية العربية وتطور السياسة الفلسطينية في أعقاب عام 1967. مساهمات وليد الخالدي العلمية واسعة النطاق ومُعبرة. لقد ساعد في وضع أسس الكتابة الأكاديمية حول النكبة، وفضح الأساطير الصهيونية القديمة ووضع التاريخ الفلسطيني على أرضية علمية متينة.
اليوم نقف باحترام امام ما حققه هذا المفكر في التزامه القضية الفلسطينية وفي قدرته على تجاوز الخلافات الفلسطينية والانقسامات والتطرف الذي أطاح بفرص تجاوزت اتفاقية اوسلو.
سنتذكر طويلاً وليد الخالدي المؤرخ والمفكر والباحث عن حلم فلسطين في كل كلمة قالها وكل خطوة تحت زيتونة قدسية حملها مئة عام.
رحم الله القدوة وليد الخالدي وأسكنه فسيح جناته.