عادة ما تكون القمة التي تجمع بين الرؤساء، منسقة بين الطرفين، ومخطط لها قبل أشهر أو أسابيع أو أيام، حسب دواعي الحاجة إليها، وحسب الأهداف المبتغاة منها. يذهب الطرفان، أو حتى الأطراف أولا، لإرتداء البذلات الرسمية وربطات العنق والياقات، ثم ينشغلون بتحضير الملفات، وتحضير الأوراق، وتحضير الكلمات، وتحضير الإجابات، على الأسئلة السريعة، وكذلك لتحضير الوفد المرافق: مثل المستشارين والوزراء والمدراء والحرس الشخصي. يهيّئون الحقائب، وخصوصا حقائب الهدايا، وحقائب الثياب. وتحجز الفنادق، ويعيّن جناح الاستقبال. ثم تقوم الفرقة المختصة بمعاينة الغرف بدقة، والسلام والأبواب، وتكلف الأجهزة المختصة بالفحص، وبالمراقبة وبالمواكبة وبالمرافقة، ويتأكد رئيس البلد المضيف بنفسه، من أن مضيفه، سوف ينزل على الرحب والسعة، محفوظ الكرامة، مع جميع المرافقين. وتحضر السيارات الفخمة، بعد التأكّد من معاينتها، لنقل المضيف والوفد المرافق، من صالة الاستقبال في المطار، إلى صالة الفندق أو القصر الذي أعدّ له، حتى يكون نزوله على خير ما يرام.
وفي العادة أيضا، تحضر الأعلام وترفع الرايات، وترتفع الزينات، على جانبي الطريق، التي يسلكها الوفد، وكثيرا ما تجهز المكبرات للموسيقى وللعزف، ولنقل وقائع الحضور، ووقائع الاستقبال، بكل هيبة. وبكل تعظيم، وبكل جلال وفخامة. فتتقدم فرق الكشافة، وفرق الخيالة، وتمتشق السيوف، وتؤدّى التحية، وينشد النشيدان: المضاف والمضيف. ثم يؤذن. فيمرّ الضيف تحتها، يتحسس تحت أضراسه طعم العظمة، على «طريقة مارون عبود».
أما الحديث عن موائد الصباح والغداء والعشاء، فمتصل بالأبهة وإظهار ملاءة الكرم، وملاءمته لذوق الضيف: قبل باقات وطاقات الزهر والورد، وقبل أكواب الشراب وفناجين القهوة والشاي، وقبل قوالب الحلوى المزينة بأعلام البلدين.
لأول مرة، أقلّه في تاريخ العالم الحديث، تعقد قمة بين رئيسين، لا بالتشاور والتنسيق، ولا تأخذ وقتا طويلا في التحضير، وإنما بالأمر بالحضور الفوري، وعلى عجل، ويكلّف جهاز عسكري لوجستي بمهمة إحضار «المضاف، إلى المضاف إليه» مخفورا. تحضر الرقابة، وتحضر الطائرة المخصوصة والمختصة والمرسلة لإحضار الضيف، ومعها سرب من طائرات الشبح الليلية، مهمتها الإغارة والزيارة المكتومة والسرية، بعد منتصف الليل. وإحضار الرئيس، بلا إعلام حراس المخدع، ولا حراس جناح غرف النوم، تحمل الإرسالية أمرا بإحضار الرئيس فورا إلى الرئيس، بثياب النوم، فليس هناك من وقت، لأنها من نوع زيارات العجلى، ومن نوع إستضافات الجفلى.
الملفات كثيرة ومتراكمة، بين الضيف ومضيفه، في إجتماع القمة، يساق الضيف سوقا، بثوب المطلوب والسجين. فهو ضيف حبيس الملفات المتراكمة، ولا داعي للقاء مع الرئيس.
تنوب عن الرئيس المستقبل، هيئة الحكم والمحاكمة. تحضر جلسة المساءلة. تكشف لأول مرة بصورة علنية، وتهرّ المواد والبنود والتهم هرّا، تماما كما نفض سجادة عجمية قديمة.
وأصغر تهمة هي من نوع: المؤامرة، وتعريض مصالح البلاد العليا للخطر، والتهاون في الحفاظ على أمن المنطقة والعالم، والإختلاس، والتعاطي، والتخابر مع الإرهاب: دولا ومنظمات وأجنحة كواسر.
قمة ملتهبة، هذه القمة التي دعا إليها الرئيس دونالد ترامب، الرئيس الفنزويلي مادورو، لم يشهد مثلها التاريخ. وهل الرئيس ترامب هو من نوع الرؤساء الأميركيين السابقين: أمثال الرئيس كارتر في جنيف، مع الرئيس حافظ الأسد، أو أمثال الرئيس دونالد ترامب القديم، مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
الرئيس ترامب اليوم، في ظل أقوى دولة في العالم، كما يقول، غيره فيما مضى، لا يحتاج لأكثر من فرقة من البوليس السري، لسوق الضيفان، ضيفا ضيفا، وعلى عجل، فلا فرصة لإضاعة الوقت، مع العابثين والمشاغبين والمتعاطين والهادرين، لا فرصة لإضاعة الوقت مع الإرهابيين.
ليلة خطف الرئيس مادورو من قصره، من غرفة نومه مع زوجته، وسوقه مخفورا للقمة مع الرئيس ترامب، إنما هو نوع من أنواع القمم الملتهبة، التي يحضرها الرئيس دونالد ترامب بعد اليوم، وقد أعذر من أنذر.
قمة دونالد ترامب مع الرئيس الفنزويلي مادورو نموذجا، هي قمة ملتهبة حقا، وهي من نوع القمم التي ستعتمد لاحقا.. أقلّه توفيرا للوقت، ولأجل وضع خارطة للتغيير.
ألم يقل الشاعر أدونيس يوما:
«بدأوا من هناك..
فإبدأ من هنا».
* أستاذ في الجامعة اللبنانية