الحدث في الثالث من كانون الثاني ٢٠٢٦: القبض على نيكولاس مادورو رئيس فنزويلا وزوجته السيدة سيليا فلوريس. عملية خاطفة قامت بها قوات دلتا الأميركية، وتابع العالم تفاصيلها كفيلم هوليودي فتح الحواس والعيون على أن هناك حركة دوران جديدة لكوكب الأرض يقودها الرئيس دونالد ترامب.
لائحة اتهام موسّعة موجهة للرئيس مادورو تشمل التآمر على الولايات المتحدة الأميركية، والإرهاب المرتبط بتجارة المخدرات، وتزعم عصابة مخدرات لتهريب الكوكايين إلى أميركا والإضرار بها، وتزويد عصابات المخدرات بالسلاح. لم يعد مهماً توصيف العملية الأميركية بالإعتقال حسب الإجراءات القانونية الأميركية أو بالإختطاف وفق تعبير أنصار مادورو من داخل فنزويلا، ومن مواقف خارجية أكدت على رفضها للتعدّي على سيادة الدول، واستخدام القوة بشكل مخالف للقانون الدولي. المهم بالنسبة لتطور الأحداث السريع هو الإجابة عن سؤال: من هو التالي؟ الرئيس الأميركي أجاب فعلاً على هذا السؤال بالقول أن الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو سيكون التالي إذا لم يعقل، واصفاً إياه بالرجل المريض وأنه تاجر مخدرات يقوم بتصنيع الكوكايين وبيعه في الولايات المتحدة. تحذيرات ترامب طالت المكسيك أيضاً كونها المعبر المجاور لتهريب المخدرات من الجنوب، وكذلك كوبا التي قال أنها على وشك الانهيار من تلقاء ذاتها بسبب اعتمادها الكلي على النفط الفنزويلي.
عندما أطلق الرئيس ترامب شعار حملته الرئاسية: لنجعل أميركا عظيمة مجدداً Make America Great Again، كانت الولايات المتحدة الأميركية في عهد الرئيس السابق جو بايدن غارقة في دعم الحروب من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، وفي خضم ذلك نجح الخطاب الترامبي في استقطاب الناخبين الأميركيين عبر تسويق الدبلوماسية القوية التي تفرض السلام في ساحات الصراع الدولية من منظور الأمن القومي الأميركي، وذلك دون التخلّي عن إمكانية توجيه ضربات عسكرية قوية لكل من يتجاوز خطوط الاستراتيجية الأميركية التي تحاكي تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا والتغييرات في الشرق الأوسط والنظام العالمي. ومع فوز ترامب وعودته إلى البيت الأبيض، مضى في سياساته المعلنة سريعاً وفي خط بياني تصاعدي منذ بدء ولايته الرئاسية الثانية، ونقاط عديدة يمكن تسجيلها في هذا المسار:
• عدم الدخول في حروب مباشرة، واعتماد ضربات عسكرية قوية جداً وسريعة لتحقيق الأهداف كما حصل في ضرب البرنامج النووي الإيراني، وفي العمليات العسكرية ضد الحوثيين في اليمن.
• تقديم الدبلوماسية القوية على الوسائل العسكرية لتحقيق الأهداف السياسية، وهو ما تفضل الإدارة الأميركية القيام به في التعامل الحالي مع الملفات في العراق وسوريا ولبنان وقطاع غزة.
• فرض العقوبات والسياسات على أوروبا ودول الغرب في إعادة تأسيس للعلاقة بين الحلفاء، كما وفرضها بقوة على المنافسين في دول الشرق من روسيا إلى الصين وكوريا الشمالية.
• الحفاظ على قدرة عالية في التواصل مع القادة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الحلفاء والمنافسين لتحقيق التوازن المنشود في العلاقات الاقتصادية والدولية.
• عقد صفقات عسكرية ضخمة مع الدول العربية لتعزيز التحالف القائم معها، وتأمين هذه الدول من الأخطار والتهديدات الإيرانية، ودفعها إلى الدخول في اتفاقيات السلام الإبراهيمي.
• اعتماد سياسة عقابية أكثر حدّة وصرامة مع إيران والتنظيمات الإسلامية المسلحة، وتهديد النظام الإيراني بضربات قوية جداً في حال استمراره بقتل المتظاهرين السلميين.
• الضغط على القادة الأوروبيين لزيادة مساهمات دولهم في حلف الناتو الذي يقدم الحماية لأوروبا من الخطر والتهديد الروسي، وذلك بعد حرب الاستنزاف الطويلة في أوكرانيا.
• إنهاك روسيا وإجبارها على التراجع في الشرق الأوسط وسوريا لحساب العمل من أجل وقف الحرب في أوكرانيا وإحلال السلام بالإتفاق بين الرئيس ترامب والرئيس فلاديمير بوتين.
• عملية كاراكاس واعتقال الرئيس مادورو، وتحذير الرؤساء في كولومبيا وكوبا والمكسيك ورئيسة فنزويلا بالوكالة ديلسي رودريغيز من الاستمرار في السياسات العدائية تجاه واشنطن.
• الضغط على دول أميركا الجنوبية في قضايا العصابات والمخدرات والتهريب والسلاح والهجرة غير الشرعية، وقوله بأن كندا تعمل كولاية أميركية وانها مصدر لدخول المخدرات من الشمال.
• تأكيد ترامب على ضرورة ضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة لذات الهدف المتعلق بالأمن القومي الأميركي وبالمواجهة مع روسيا والصين، وقوله بأن الدنمارك غير قادرة على تحقيق ذلك.
على الضفاف الأميركية، لم تكن «عملية العزم المطلق» (Operation Absolute Resolve) أو عملية كاراكاس التي شاركت فيها القوة الجوية الساحقة، وقوات النخبة البرية، والتقنيات السيبرانية، سوى نموذج عن قدرات الجيش الأميركي الأقوى في العالم. عملية عسكرية واستخبارية معقدة ورسالة حازمة وجّهها الرئيس ترامب إلى باقي الدول والجوار في أميركا اللاتينية. صحيح أن القانون الدولي يبقى أداةً من أدوات العلاقات الدولية إلى جانب الدبلوماسية والاستراتيجية، لكن في الواقع القانون لوحده لا يحكم العالم. وبعيداً عن النظريات المثالية، عملية كاراكاس بقوتها ودقتها وسرعتها كانت أشبه بعملية قطف حبقة من البستان الأميركي في الجنوب. القوة تحكم كوكب الأرض.