د. محمد موسى
منذ خطاب القسم الذي أرضى الجميع بالجملة ثم لم يُرضِ البعض بالمفرق والحبل على الجرار حيث المحبة والموالاة والمعارضة بالقطعة في زمن المنطقة وكل احوالها تدر دكمة واحدة وبالجملة وعلى عينك يا تاجر!
منذ خطاب القسم تميز كلام الرئيس جوزاف عون بقدر عالٍ من المسؤولية الوطنية والوعي الدستوري، ما جعله موضع تقدير واهتمام في الأوساط اللبنانية والدولية على حدّ سواء. فالرئيس، من موقعه الحافظ للبلد والمؤتمن على الدستور، عبّر بوضوح عن التزام الجيش اللبناني بثوابته الوطنية وبدوره الجامع الذي يتجاوز الانقسامات السياسية والطائفية، في لحظة وطنية دقيقة تتطلب خطاباً عقلانياً ومتزناً. إنّ مواقفه الأخيرة، التي أثارت نقاشاً واسعاً، لا يمكن قراءتها إلا في إطار سعيه الدائم إلى صون السيادة والاستقرار، والحفاظ على التوازن الذي يشبه صيغة لبنان في تعقيدها وتنوعها ومسؤوليته التاريخية التي قد تكلفه وحده ومن رصيد عهده فقط فلا يزيدن أحد على الرئاسة.
في جوهر خطابه، يتبدى حرص الرئيس جوزاف عون على أن يبقى الجيش مؤسسة فوق التجاذبات، تنأى بنفسها عن المحاور، وتتمسك بدورها الوطني بوصفها صمام أمان للدولة. فهو في كل محطة يؤكد أن الجيش ليس أداة بيد أحد، بل هو درع الوطن وحامي حدوده، ومؤسسة لكل اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم. ولعلّ هذا الموقف يتجلى بأبهى صوره في دعوته الواضحة إلى التصدي لأي توغل إسرائيلي، إذ أعاد التأكيد على أن الدفاع عن الأرض هو حق سيادي وواجب وطني لا يخضع للمساومة أو الحسابات السياسية. لقد جاء هذا الكلام في لحظة حساسة، حيث تتقاطع التهديدات الخارجية مع الضغوط الداخلية، ليضع الأمور في نصابها الصحيح ويؤكد أن الكلمة الفصل تبقى للمؤسسات الدستورية الشرعية، وفي مقدمها الجيش اللبناني وفي سياق موازٍ، برزت مواقف الرئيس جوزاف عون من مسألة التفاوض مع العدو من موقع الوعي الاستراتيجي والوطني، إذ أظهر قدرة على الموازنة بين الثوابت والسياسة الواقعية. فهو لم يتحدث عن التفاوض بوصفه تنازلاً أو خضوعاً، بل بوصفه أداة وطنية مشروعة يمكن أن تقود، في اللحظة المناسبة، إلى تسويات تحفظ حق لبنان وتضمن استقراره. هذه المقاربة المتأنية عكست فهماً عميقاً لمعادلة الردع والسيادة، إذ أدرك أن الحفاظ على الكرامة الوطنية لا يتناقض مع السعي إلى حلول سياسية متكافئة، ما دام الهدف النهائي هو مصلحة لبنان العليا وحماية أبنائه من الحروب التي يحيكها الإسرائيلي لضرب أنموذج لبنان الرسالة التي تحدث عنها البابا يوحنا بولس الثاني وجسدها الامام موسى الصدر وكرستها دماء كل شهداء لبنان، لضرب أنموذج التعدد قبول الاخر رأيا» ووجودا» و قيمة، وتاليا يريد الإسرائيلي خلق الأرضية التامة عبر الحروب لتفاوض الاستسلام وبلورة الشرق الأوسط الجديد على انقاض الجميع.
ولأنّ السياسة في بلد مثل لبنان تقوم على التوازن الدقيق فلطالما قارب رئيس البلاد جملة قضايا مفصلية بميزان الذهب في رسم العلاقة وتطويرها لمصلحة البلاد مع الرئاسات الثانية والثالثة خاصة في المواضيع الحساسة والتي تريد إجماع اللبنانيين بعيدأ عن لعبة الترويكا فالظرف الحالي يحتاج الوحدة لا الانقسام، لذا نرى أنّ مواقف الرئيس عون كانت، بطبيعتها، تارة تُرضي طرفاً وتارة تُغضب آخر، لكنها في عمقها تبقى صادقة مع نفسها ومع رسالتها. فهي مواقف لا تُصاغ لترضية أحد، بل تعبّر عن قناعة رجل يعرف حدود المسؤولية الوطنية، ويزن كلماته بميزان المصلحة العامة. إنها مواقف تشبه جوزاف عون نفسه، الرجل الهادئ الصارم، الحريص على أبناء وطنه، الساعي إلى حمايتهم من الانقسام الداخلي ومن مغامرات الخارج، والذي يدرك أن القائد الحقيقي هو من يجمع بين الحزم في الموقف والرحمة في الغاية الذي يرسم اطار حصرية السلاح وإعادة الاعمار في آن، الذي يرتضي انحناءة الجميع للأرزة الشامخة ولكن تحت سقف ان لا تكون طائفة مكسورة، وفي النهاية إنه الرئيس سيد العهد وكلمته الأخيرة وبنص الدستور.
من هنا، يمكن القول إنّ الرئيس جوزاف عون مثّل نموذجاً في القيادة المتزنة التي تعرف كيف تحفظ التوازن بين المبادئ والسياسة، وبين الموقف والمصلحة. لقد صاغ من خلال كلماته نهجاً جديداً في المسؤولية الوطنية، قوامه أن الدفاع عن الوطن لا يكون فقط بالبندقية والتي لم ولن توضع جانبا» مع أي عدو مهما كان شكله وصفته ولونه وعرقه ومن اين اتى أو اُتي به، بل أيضاً بالعقل والحكمة والقدرة على قراءة التحولات. ومواقفه الأخيرة، بكل ما أثارته من جدل، ليست إلا تأكيداً على أن لبنان البلد الأصيل والعضو المؤسس في الأمم المتحدة والعربي حتى النخاع بعروبته ما زال قادراً على أن يُدار بعقلٍ مسؤول، وأن الجيش، بقيادته، سيبقى المؤسسة التي تشبه الوطن في تعدده، وتصونه في أزماته، وتحمي أبناءه من كل ما يتهددهم في الداخل والخارج.
ببساطة شديدة ووضوح أشد على الجميع ان يترك للعهد مساحة من المرونة في الموقف و الكلمة الصائبة، حيث الوقائع تقول ان كلام الرئيس رئيس الكلام والفعل والمقدرة.