إعتاد لبنان أن يظل في عرس، وأن يكون له في كل عرس قرص. هذه طبيعانيته التي جُبل عليها، منذ ما قبل التاريخ، حتى اليوم، سبحة واحدة.
مثل هذا الموضوع لا يحتاج إلى نقاشات فضفاضة عادة، لأن الشواهد كثيرة ومحفوظة ودالة، حرضته طبيعته الجبلية على التمرد، على العصيان، وعلى تطويع الفاتحين والغزاة لشروطه، حتى يستأمنها على نفسه، وحتى تستأمنه على نفسها، فهو إن لم يكن عنده من أرتال الجند ما يمكنه من الوقوف في وجههم، وردّهم عن غاياتهم، فقد كان له من طبيعة الجبال والوديان والغابات، ما يمكنه من أن يكون شوكة مزعجة في جنباتهم، لا يستطيع المهاجمون كسرها ولا قلعها، ولا حتى الإنتصار عليها. ولهذا سرعان ما يحملهم على المهادنة، وأن يظل اللبنانيون متربصين بهم، ما مكّنتهم قدرتهم على المقارعة والمواجهة والتمرد والثبات.
عرف لبنان أكثر ما عرف، بلائحة الزفاف، فهو على صغره، وعلى قلّة عدد سكانه، إنما هو من أشهر البلدان بلوائح الشهداء. وهي التي إنعكست في العلم اللبناني، بخطين حمراوين عريضين يحرسان الأرزة/ الرمز. تماما مثلما إنعكست في نشيده الوطني حين يطول الإنشاد:
«أسد غاب متى/ ثاورتنا الفتن».
فلائحة الشهداء، هي لائحة الشرف عند اللبنانيين جميعا، لأي طائفة إنتموا، وفي أي منطقة كانوا. فلهم من عزة النفس، ما يمنعهم عن الخنوع و عن الخضوع وعن الركوع، لأنهم يفضّلون الموت واقفين كما شجر الأرز، على الإنحناء.
كان من نتائج الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، الإعلان التاريخي لـ«وقف النار»، في (27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024)، والذي من شروطه وقف الأعمال العدائية، والإنسحاب التام من لبنان، وبالتأكيد من «التلال الخمس»، وإلتزمت المقاومة وأوقفت عملياتها، إنسجاما مع التعهدات والشروط، وظلت إسرائيل ساغبة وسادرة، لا تلتزم بما تعهدت به، ولا تأخذ نفسا في وقف عدوانها. ظلت تستمر ليلا ونهارا، في الإغارة على المناطق القريبة والبعيدة من الحدود، ولا تستمع للمراجعات في شأن الإنسحاب من كافة الأراضي اللبنانية، بل نراها تبعث بالرسائل المعادية: أنها غير مستعدة لوقف الأعمال العدائية، أو للإنسحاب من التلال الخمس، ومما وصلت إليه أياديها العابثة بالحدود، وبالخط الأزرق، وبعودة أهالي الجنوب، إلى قراهم وبيوتهم وإعادة ترميمها، أو إعادة إعمار ما تهدّم منها.
كل يوم يقف اللبنانيون أمام لائحة الشهداء، يتأملون من زفّ إليها، ليس لهم خيار آخر. فماذا عليهم أن يفعلوا، وهم يرون الطائرات والمسيّرات تحلّق فوق رؤوسهم، وتتخطفهم زرافات ووحدانا.
عاد اللبنانيون بعد ذلك، يستنهضون تراثهم في الصمود، ويعتادون على تقديم الشهداء، ولا يتخلّون عن كبريائهم، في الإنتماء إلى المقاومة، حتى ولو التزمت المقاومة «وقف النار». إعتادوا على لائحة الزفاف. أخرجوها من متاحفهم. أخرجوها من بيوتهم. أخرجوها من مدافنهم. أخرجوها من صدورهم وصيروها نصب عيونهم. عادوا إلى تقاليدهم في البطولة والكبرياء: (هيهات منا الذلة. الموت ولا الذل... ولا المذلة). صارت كل عيونهم شاخصة إلى لائحة الزفاف.
اللبنانيون اليوم يعتبرون أن الموت بغارات الطائرات الإسرائيلية، وبالرسائل النارية للمسيّرات، وبالقصف المجنون من الزوارق البحرية، إنما هو من تقاليد العرسان والفرسان، وأن لهم من لائحة الزفاف، ما يمنحهم شرف البطولة والكبرياء، ويرددون عقب كل غارة، أمام عوائلهم، وهم ينظرون إلى لائحة الزفاف:
مبارك لهم عرس الشهادة.
وهل العيش إلا ذاك!
* أستاذ في الجامعة اللبنانية