تحت أنظار الدولة كلها، كان يتم التجهيز والتحشيد معا، على حد سواء، وتحت أنظار الدولة كلها، كانت تتم عمليات التمويل، لا يستطيع أحد ممن كان في البلاد، أن يدّعي الجهل بكل هذه الأخبار، بكل هذه المجريات. كانت اللافتة التي ترفع، كما الراية، تغني بمعناها عن كل شيء. كانت دوما، مثل سبورة الصف: دوّن عليها الدرس.
لا ينفع اليوم الجهل ولا ينفع معه التجهيل ولا التجاهل، بكل هذه الاستعدادات التي كانت تتم، في الليل وفي النهار، تحت عنوان واحد، تحت شعار واحد: الموقف الدفاعي، فهو أقوى من عصا، بل أقوى من وادي العصي، فهو موقف ساحر، يلقف كل عصي السحرة.
خرجت المقاومة، كما حزب الله على اللبنانيين، منذ التأسيس، بهذا العنوان الجاذب: الدفاع عن لبنان. قالت إنها صوت من لا صوت لهم، وأنها تبني قدراتها نفسها بنفسها، لا تكلف الشعب ولا الدولة، وأن مددها من مرجعيتها الدينية، وهي صابرة، وهي مثابرة على ما يجري لها، وما يجري من حولها.
كانت السنوات تمضي على رسلها، وكانت المقاومة كما حزب الله، تحت شعار: ما لكم لنا ولكم.. وما لنا، لنا وحدنا. ولهذا بنوا دولة تحت أعين الدولة، ولم تكن عمليات البناء تتم سرا. ولهذا كانوا يقرعون العصا بالعصا، في جميع أنواع الانتخابات. وداخل أقبية المجالس كلها. فكان لا يتخذ قرار إلّا بالموافقة، ولا ينتخب رئيس، ولا يعيّن رئيس، ولا تتم إدارة، ولا ينصب مسؤول رفيع أو وضيع، في طول البلاد وعرضها، إلّا بعد المشاورة، وإلّا بعدة الموافقة. فتحت عنوان الديمقراطية التوافقية، تصادر الدولة كلها، وتصادر الحريات، وتصادر الحرية.
كان سرير الدولة كلها، من الباب إلى المحراب، تحت الحزب وتحت المقاومة، ولا تزال السجلات شاهدة، ولا تزال السجالات شاهدة، ولا تزال التعيينات شاهدة، ولا تزال جميع أنواع الانتخابات شاهدة. وكان قرار الحرب حصرا بيدهم. أما قرار السلم، فهو بالمشاركة، بمسعفة من الأخ الأكبر. وكان اللبنانيون يطمئنون أن لهم مقاومة: لاعب دفاعي، يستطيع أن يردّ كيد العدو إلى نحره، ولا يسمح لها بتدنيس الأرض، ولا الدوس ولو على ذيل الحدود، فكيف بتجاوزها ومجاوزتها.
عقيدة «اللاعب الدفاعي»، كانت جاذبة، نالت إجماع اللبنانيين، فمشوا وراء الحزب والمقاومة زرافات ووحدانا، فتراصّت الصفوف، وقويت في بيئات غير بيئاتها. وما كان أحد من الناس، في الدولة وخارجها، إلّا ويلتمس، ما يشفع لها.
في السابع من أكتوبر، خرجت المقاومة، كما الحزب، عن الخط الذي رسم المسيرة طيلة العقود الماضية. دعوا إلى وحدة الساحات، ودعوا إلى الإسناد، ودخلوا الحرب مع العدو، دون مشاورة. تحوّل اللاعب الدفاعي، إلى لاعب هجومي. برر ذلك بـ«الهجوم الإستباقي»، بالضربة الإستباقية. فكانت الخسائر غير محتملة، وقد إحتاجت إلى عام ونصف العام حتى تجدّد لياقتها.
بالهجوم التشاركي: الأميركي - الإسرائيلي على إيران في 28/2/2026، كان اللبنانيون على يقظة من حرب هجومية ثانية: أعلنت الطلقة الأولى، دخول الحرب، من باب المواربة: حرب دفاعية/ هجومية، تتزامن مع الحرب على إيران. وهي في الحديقة الخلفية تشي بأنها مساندة لها. وفي 5/3/2026، وقعت المأساة الكبرى: تم إخلاء الضاحية الجنوبية، بعد الأمر بإخلاء الجنوب على مراحل، وفي أماكن معينة، تحوّل اللاعب الدفاعي عن دوره الذي نال حظوة عظمى من اللبنانيين، صارت البيئة مشتتة، وصارت القوى مشتتة، وصار اللبنانيون جميعا، إلى «تفاريق عصا». فهل من إرادة وطنية، تنهض من أرض النكبة، وتعيد الناس إلى بيوتهم وإلى أرضهم، وإلى مساكنهم، في القرى والمدن المهدّدة، قبل الشيطنة المنتظرة؟...
تلكم، تلكم المسألة.
* أستاذ في الجامعة اللبنانية