السفير نبيل معروف
لا بد للمعركة الحقيقية من أجل استقرار لبنان ان تبدأ من داخل النظام الإقليمي والدولي، على الرغم من الأزمات المستمرة، لان القوى الغربية وحلفاؤها من الأنظمة الوظيفية في المنطقة مستمرة في بذل جهودها لإدامة هذه الفوضى، بفضل تواطؤهم مع بعض القوى المحلية في لبنان. وفي هذا السياق، يظل لبنان محكومًا بتقلبات الصراع الإقليمي والدولي، مما يحول دون تحقيق أي تقدم ملموس نحو الاستقرار.
فلبنان الذي كان نموذجًا للتنمية في المنطقة بات اليوم ساحة نزاع حقيقية، لا يمكنه الخروج منها إلا من خلال تغييرات جذرية في طريقة إدارة الصراع الإقليمي والدولي. لأنه لا يزال يحمل في طياته إمكانيات عظيمة، كما كان في الخمسينات والستينات، حين كان يعتبر نموذجًا للتنمية والازدهار في المنطقة. ومع أنه قد مر بتجارب مريرة منذ ذلك الحين، فإن المستقبل قد يحمل فرصًا جديدة إذا ما تم تعزيز التوجهات الإصلاحية الداخلية. فمن خلال ميثاق جديد، يمكن للبنان أن يعود إلى طريقه الصحيح كداعم للاستقرار في الشرق الأوسط. إن هذه اللحظة التاريخية التي نعيشها اليوم قد تكون الفرصة التي يحتاجها لبنان لاستعادة دوره الريادي، ولكن يجب أن تكون هذه العودة قائمة على أساس تغييرات جذرية داخلية أولا تتجاوز الطائفية والمزايا السياسية الضيقة.
واقع المنطقة، بما في ذلك لبنان، يؤشر بانها لن تشهد استقرارًا حقيقيًا إلا عندما تنتهي الهيمنة الغربية، التي ما كان لها ان تسود لولا النزاعات والصراعات التي أسست لها في المنطقة، عبر احتلالها وسطوتها ونفوذها واقامتها لدولة إسرائيل على حساب اهل فلسطين وضد رغبات شعوب المنطقة بأكملها. وبذلك فقط ستبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الشرق الأوسط، يبرز فيها دور القوى الإقليمية الاصيلة وفي ظل نظام دولي جديد متعدد الأقطاب.
هذه اللحظة التاريخية قد تكون قريبة، خاصة في ظل التغييرات الجيوسياسية التي تحدث اليوم في العالم، والتحولات المتزايدة في موازين القوى الإقليمية والدولية، والتي ستتشكل على ضوء نتائج الحروب في أوكرانيا والشرق الاوسط والمستمرة منذ أربع سنوات. ولا بد من التأكيد هنا، ان فشل أمريكا وإسرائيل في تحقيق أي من أهدافها (كما أعلنتها سواء كان ذلك في غزة او لبنان وإيران،) رغم الحجم غير المسبوق للتدمير والقتل، ستفرض على القوى الدولية ان تغير أولوياتها في المنطقة.
ان النظام الدولي الذي سيتشكل بعد الأزمات الحالية سيعتمد بشكل كبير على استقرار المنطقة. ومن الممكن أن يكون لبنان نقطة محورية في هذا التغيير إذا ما استغل هذه الفرصة لتطوير علاقات جديدة مع جيرانه وقوى العالم الكبرى مما يعزز من موقفه على الساحتين الدولية والإقليمية، ومن المؤكد ان العلاقات العربية مع تركيا وإيران القوتان الاقليميتان ستتطور إيجابيا على أساس القناعات والحقائق التي ستفرزها الحرب، والتي يمكن أن تعيد تشكيل المشهد الإقليمي. وإذا ما أدركت هذه القوى أن الاستقرار في لبنان يصب في مصلحة جميع الأطراف، فإن ذلك قد يفتح الطريق لدعم المبادرات الداخلية اللبنانية.
لطالما كان لبنان في الخمسينات والستينات «متروبول الشرق الأوسط»، حيث كان يمثل نموذجًا للتنمية، الأمن، والاستقرار في منطقة تتسم بالتوترات والصراعات. كان لبنان في تلك الفترة واحة للحرية والنمو الاقتصادي، مع مستوى تعليم ورعاية صحية ونمو حضري يعد من الأفضل في المنطقة. ولكن، مع بداية السبعينات، ومع تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، بدأ لبنان يفقد هذه المزايا الفريدة، حيث تحولت هذه الهدنة من الاستقرار إلى حالة من الفوضى العميقة. ويعود السبب الرئيسي لهذه الحالة التي أصبح عليها لبنان إلى عدة عوامل داخلية وأخرى خارجية.
الداخلية وهي ان مكونات الشعب اللبناني لم تحترم الميثاق الذي تعاهدوا عليه عند قيام الدولة اللبنانية، فتسيد الموارنة على بقية المذاهب المسيحية، وتسيد المسيحيون على بقية الطوائف، وتحالف الموارنة مع نخب السنة والشيعة على حساب الأغلبية من المذهبين، وتركز الاقتصاد في المركز بتوافق بين الموارنة والسنة وتهميش الشيعة الى درجة الحرمان والظلم، وفي الوقت الذي استقوت به المارونية السياسية بالغرب لقناعتها ان لبنان اقرب الى الغرب منه الى محيطه، الامر الذي دفع المسلمون الى المطالبة بالانتماء الي المحيط، وعندما سنحت الفرصة للشيعة لحمايتهم من النظام الإيراني الشيعي، لم يترددوا في التوجه نحو ايران، وهكذا نرى ان جميع مكونات الشعب اللبناني لم يكن ولاءها خالصا للبنان، بل كانت القاعدة ان يستقوي مكون ما بالخارج لقهر وكسر مكون اخر .
اما العوامل الخارجية، فما كان لها ان تكون لولا ان الداخل قد مهد لذلك، وقد تمثلت هذه التدخلات بالأساس بمخطط غربي يهدف أولاً إلى ضرورة اغتيال التجربة اللبنانية الناجحة. التي كانت تُشكل تهديدًا للرؤية الغربية بالسيطرة والهيمنة على المنطقة من خلال سياسة فرق تسد، ودب الخلافات والنزاعات بين مختلف المذاهب والاعراق، لمنع نجاح أي نوع من الشراكة بينها. لذلك فهدف الغرب إبقاء لبنان ضعيفًا وعرضة للتدخلات السياسية. فبعد ان نجح الغرب باستيلاد دولة إسرائيل كدولة وظيفية بهدف واضح وهو اشعال الصراع في المنطقة، لذلك فان احتلال فلسطين وتهجير أهلها، يعتبر سببا كافيا لزرع بذور الصراع في المنطقة خاصة وان الحركة الصهيونية لم تخف اطماعها بإقامة إسرائيل الكبرى على حساب اراضي الدول العربية المحيطة بفلسطين المحتلة. وفي نفس السياق كان ضروريا للغرب ان يجد فواعل في المنطقة وخاصة في لبنان بوظيفة محددة تقضي بتعزيز استمرارية الصراع في الشرق الأوسط، وبالتالي إعاقة أي حلول أو تسوية ممكنة للصراعات المستعصية.
لبنان كأداة في مسار استدامة الصراع
هكذا تم ادخال لبنان طرفا أساسيا في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وكان الهدف الأساسي للقوى الغربية، وإسرائيل بالطبع، هو تأجيج الصراع الداخلي والإقليمي في لبنان، مما يجعل من المستحيل على البلاد استعادة قوتها السياسية والاقتصادية. وعبر هذا الصراع الطويل سنحت الفرصة مرتين للبنان تمنحه امكانية العودة إلى استقرار الستينات، ولكن تم افشالهما لعدم وجود قرار دولي بإنهاء الصراع في المنطقة، الاولي كانت اغتيال بشير الجميل بعد انتخابه رئيسًا للبنان. كان بشير يمثل بارقة أمل للاستقرار، فقد كان قويا ومدعوما بالظروف التي نتجت عن الاجتياح الإسرائيلي وخروج السوريين والفلسطينيين من بيروت وانحسار فاعلية ميليشيات الحركة الوطنية واليسارية، ولكنه ابلغ بيغن في اجتماع نهاريا بعد انتخابه ان معاهدة الصلح التي يطلبها غير ممكنة دون التشاور مع بقية المكونات اللبنانية، فتم اغتياله بعدها، وتم انسحاب الجيش الإسرائيلي من جبل لبنان دون تنسيق مع الدولة اللبنانية مما سهل عودة الميليشيات المحلية إلى الساحة، ثم عادت القوات السورية مما مهد وعزز تدخلات القوى الإقليمية في الشؤون اللبنانية.
الفرصة الثانية التي ضاعت على لبنان كانت اتفاق وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل في عام ٢٠٢٤، فلأول مرة تقريبا في تاريخ لبنان يتم اختيار رئيسا للجمهورية وللوزراء دون هيمنة ونفوذ مراكز قوى محلية او قوى خارجية، وكان الاتفاق يشترط سحب سلاح حزب الله، وقد كان الاتفاق في جوهره يمنح لبنان فرصة تاريخية لاستعادة سلطتها. لو كانت إسرائيل قد التزمت بالانسحاب الكامل، ووقف اعتداءاتها، كان ذلك سيمكن الحكومة اللبنانية أن تبدأ في بناء دولة قوية قائمة على سيادة القانون، مما يقلل من نفوذ الميليشيات ويدعم المؤسسات الوطنية. لكن مع استمرار القصف الإسرائيلي والعدوان، استمر ضعف منطق الحكومة، وتعزز الانقسام الداخلي، وضاعت هذه الفرصة أيضًا. لان إسرائيل تهدف الى اشعال الحرب الاهلية في لبنان مرة اخرى.
لم يعد ممكنا ان يعود لبنان كما كان الا بقرار من القوى الغربية بزعامة الولايات المتحدة، بإنهاء الصراع في المنطقة، بمعنى ان يصبح الهدوء والاستقرار في لبنان يخدم المصالح الأميركية، ولا يبدو ان هذا الامر سيتضح، الا بعد ان تضع الحرب اوزارها بوقت ليس بالقصير، والتعامل مع مخرجاتها على قاعدة ضرورة إعادة النظر بالسياسات الإقليمية والدولية الاستراتيجية تجاه المنطقة.
او قرار داخلي لبناني بإخراج لبنان نهائيا من الصراع، من خلال التوافق الداخلي بين جميع مكونات الشعب اللبناني على ميثاق جديد مكتوب يؤكد على انتماء لبنان الي محيطه ويلغي الطائفية السياسية، والمحاصصة، ويؤكد على تساوي جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، وان ينص الميثاق صراحة على حصرية قرار الحرب والسلم وحيازة السلاح بيد الدولة اللبنانية ممثلة بحكومتها المنتخبة ديموقراطيا، وينص كذلك على منح المواقع في المؤسسات الرسمية للدولة للأكفأ بصرف النظر عن طائفته ومذهبه، ويضمن انتماء الجميع للبنان الوطن. وهنا يجب الانتباه انه لا يمكن أن يقتصر الحل في لبنان على الإجراءات السياسية والاقتصادية فقط؛ بل يجب أن يكون هناك دور أساسي للمجتمع المدني في عملية التغيير. فالمجتمع المدني اللبناني، الذي ظلّ جزءًا مهمًا من تاريخ لبنان الحديث، يلعب دورًا في تعزيز الديمقراطية والمشاركة الشعبية، ويمكنه أن يكون محركًا رئيسيًا للإصلاحات السياسية والاجتماعية. من خلال توعية المواطنين وتعزيز المشاركة الفعّالة في السياسة، يمكن للمجتمع المدني أن يساعد في خلق بيئة تساهم في تنفيذ الميثاق الجديد وتحديد مستقبل لبنان
بعد التوافق على الميثاق الجديد، يجب ان يتم التوافق وبالإجماع على اخراج لبنان من الصراع، وذلك يتطلب مجموعة من الخطوات أولها، استعداد الدولة اللبنانية ان تعقد اتفاق إطار يضمن انسحاب إسرائيل الكامل الى الحدود الدولية بين فلسطين التاريخية ولبنان، والتزامها بتنفيذ بنود الميثاق الجديد بخصوص حصر السلاح بيد الجيش الرسمي اللبناني وحصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية. تتلوها مباشرة عقد اتفاقية سلام بين الدولتين اللبنانية والإسرائيلية.
ولكن، ليتم تطبيق ذلك، يتحتم ان يتم تبني هذه المبادرة او المشروع من قبل قوى إقليمية ودولية (على سبيل المثال، مصر، السعودية، فرنسا، إيطاليا واسبانيا)، تحت سقف الأمم المتحدة وتحديدا مجلس الامن، وان يتم استصدار قرار من مجلس الامن بحماية الحدود اللبنانية من قبل الجيش اللبناني مدعوما بقوات من هذه الدول مفوضة بالدفاع عن الأراضي اللبنانية فعليا، (أي ان هذه القوات ليست قوات حفظ سلام بل قوات تمثل الدولة اللبنانية وملتزمة بالقتال دفاعا عن هذه الحدود)، لمدة زمنية محددة يتم خلالها إعادة بناء الجيش اللبناني وتسليحه، وتدريبه وتطوير البنية التحتية العسكرية لضمان استعداد الجيش اللبناني لمواجهة أي تهديدات مستقبلية.
في النهاية، الحل في لبنان يجب أن يكون داخليًا بامتياز، وهكذا سيتمكن لبنان من العودة إلى جذوره الوطنية وتوحيد شعبه حول مصلحة واحدة: بناء دولة مستقلة وقوية تعمل لصالح كل اللبنانيين، بعيدًا عن أي ولاءات خارجية، كما يجب على اللبنانيين أن يعيدوا تأكيد ولائهم لوطنهم لبنان. الامر الذي سيُمكنهم من بناء مستقبلٍ أفضل وأقوى، في إطار دولة قوية ومستقلة، تحترم حقوق كل مواطنيها، وتضمن لهم حياة آمنة ومستقرة. وانطلاقا من هذه الحقيقة سيتمكن لبنان مرة أخرى من بناء علاقات قوية ومستقلة مع جيرانه والقوى الدولية.
كما يجب أن يتزامن هذا الحل السياسي مع إصلاحات اجتماعية تلبي احتياجات الشعب اللبناني في مختلف المجالات. فلا بد من إعادة بناء النظام التعليمي الوطني، وتوفير الرعاية الصحية لجميع اللبنانيين، وتوفير فرص العمل للشباب اللبناني في جميع المناطق. كما يمكن أن يلعب القطاع الخاص، دورًا محوريًا في دعم هذه القطاعات، ومن المؤكد ان يفتح هذا الحل السياسي الباب امام التجارب اللبنانية الناجحة في مختلف دول العالم للعودة والاستثمار في بناء الوطن اللبناني الجديد.