يجد لبنان نفسه عالقاً في «عين العاصفة» الدبلوماسية الأكثر حدّة منذ عقود. لم تعد الضغوط الدولية تكتفي بالبيانات الإنشائية، بل انتقلت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى مرحلة «الدبلوماسية الخشنة»، فارضةً على بعبدا خيارات كانت حتى الأمس القريب تقع في خانة «المحرّمات الوطنية». وفي قلب هذا المشهد المتفجر، يبرز التحدّي الأكبر؛ هل تنجح واشنطن في جرّ الرئيس اللبناني جوزاف عون إلى طاولة واحدة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أم أن حقل الألغام اللبناني سينفجر قبل وصول «طائرة السلام» إلى مدرج البيت الأبيض؟
• إصرار ترامب: «الصفقة» كبديل للتاريخ
يتحرك دونالد ترامب بذهنية «صانع الصفقات» الذي لا يعترف بالتعقيدات التاريخية أو «التابوهات» الأيديولوجية. بالنسبة لترامب، يمثل لبنان اليوم المختبر الأول لنجاعة سياسة «القوة من أجل السلم». تشير المعلومات المسرّبة من واشنطن إلى أن البيت الأبيض لا يرى في وقف إطلاق النار الممدد مجرد هدنة عسكرية، بل «مساحة استثمارية» سياسية يجب أن تنتهي بصورة تاريخية تجمع عون ونتنياهو في المكتب البيضاوي، كإعلان رسمي عن ولادة «شرق أوسط جديد» خالٍ من بؤر الاستنزاف.
إصرار ترامب على هذا اللقاء ينبع من رؤية استراتيجية تهدف لانتزاع اعتراف لبناني رسمي بـ «الواقعية السياسية» الجديدة. واشنطن تلوّح اليوم بـ «جزرة» السيادة الكاملة وإعادة الإعمار، لكنها تضع مقابلها «عصا» التفاوض المباشر؛ ففي حسابات ترامب، لا ضمانات أميركية مجانية بعد اليوم، ومن يريد حماية حدوده، عليه أن يمتلك الشجاعة للجلوس وجهاً لوجه مع خصمه.
• السفير ميشال عيسى: «هل نتنياهو بَعبَع؟»
في موقف لافت من الصرح البطريركي في بكركي، كسر السفير الأميركي ميشال عيسى البروتوكولات المعتادة، موجّهاً رسالة مباشرة للداخل اللبناني هزّت الأوساط السياسية. اعتبر عيسى أن زيارة الرئيس عون إلى واشنطن ولقائه بترامب ونتنياهو لا تحمل أي خسارة للبنان، بل هي فرصة تاريخية لعرض «متطلبات بيروت» وجهاً لوجه.
وبلهجة اتسمت بالصراحة المفرطة، تساءل عيسى: «هل نتنياهو بَعبَع؟ هو مفاوض ثانٍ»، مشدّداً على أن هذا المسار ليس تنازلاً بل وسيلة لضمان أن «كل شبر من لبنان يبقى ويعود للبنان». كما وجّه عيسى رسالة حادّة المضمون تتعلق بمستقبل حزب الله، مشيراً إلى أن السلام يعني انتفاء الحاجة لوجود الحزب العسكري، وإذا بقي «بيكون عنده غير موال»، في إشارة واضحة إلى أن معادلة «الجيش والشعب والمقاومة» قد انتهت صلاحيتها في القاموس الأميركي لعام 2026.
• لبنان في تقاطع نيران «هرمز» والتزامات «الليطاني»
لا يمكن قراءة الضغط الأميركي بمعزل عن الصراع الإقليمي الأوسع. تتزامن الضغوط على لبنان مع إطلاق ترامب لعملية «مشروع الحرية» في مضيق هرمز لمواجهة النفوذ الإيراني البحري. تشير تحليلات معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى أن واشنطن تسعى لـ «فك الارتباط» النهائي بين الجبهة اللبنانية والإيرانية؛ حيث يُراد لخنق نفوذ طهران في هرمز أن يترجم تراجعاً لحلفائها في الليطاني.
من جانبه، يشير مركز كارنيغي للشرق الأوسط إلى أن لبنان يمرّ بمرحلة «الواقعية القاسية»؛ حيث تجد بيروت نفسها مضطرة للاختيار بين الهيمنة الإيرانية التي جلبت الحرب، أو القبول بـ «الهيمنة الأميركية» التي تَعِد بالاستقرار. يرى المحللون أن استبعاد الدور الفرنسي التقليدي من طاولة المفاوضات بقرار أميركي - إسرائيلي، يضع لبنان أمام «الخيار الوحيد»، مما يفسر اندفاعة السفير عيسى من بكركي (المعقل التاريخي للنفوذ الفرنسي) لسحب هذه الورقة وتثبيت المظلة الأميركية كبديل وحيد.
• قاسم: «التفاوض المباشر تنازل مجاني»
في المقابل، جاء الرد سريعاً وحاسماً من الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، الذي رسم خطوطاً حمراء واضحة. أكد قاسم أن الحزب مع «الدبلوماسية التي تؤدي إلى إيقاف العدوان»، ولكن حصراً عبر «التفاوض غير المباشر»، واصفاً التفاوض المباشر بأنه «تنازل مجاني بلا ثمار وخدمة لنتنياهو وترامب».
هذا الموقف يضع «فيتو» عسكرياً وشعبياً في وجه أي تحرك نحو واشنطن، معتبراً أن الجلوس مع نتنياهو هو «انتحار سياسي» يهدف إلى تثبيت الاحتلال الإسرائيلي تحت مسمّى السلام. ويشدّد قاسم على أن المقاومة لن تتخلّى عن سلاحها، وأن «السيادة» تُنتزع بالميدان لا بصالونات البيت الأبيض التي تريد رسم صورة «نصر» لنتنياهو.
• عون: الرهان على «هدنة 1949»
يقف الرئيس جوزاف عون في «برزخ» القرار، محاولاً طرح مرجعية «اتفاقية الهدنة لعام 1949» كغطاء قانوني وتاريخي للتفاوض دون الوقوع في فخ التطبيع السياسي الشامل. يسأل عون بجرأة: «هل كانت تلك الهدنة ذلّاً؟»، ساعياً لتأطير الحراك الراهن ضمن سياق تقني يوفر له شرعية وطنية تحمي المؤسسة العسكرية من التفكك، وتسمح له بمخاطبة المجتمع الدولي بلغة الدولة لا بلغة المحاور، مع تأكيده (عبر مصادر مقربة) أنه لن يقابل نتنياهو طالما أن شبراً واحداً من الجنوب لا يزال محتلاً.
• التداعيات الإقليمية وحسابات «المهلة الزمنية»
تراقب الرياض وطهران هذا المسار بحذر شديد. ورغم الجهود السعودية - الإيرانية لتبريد الساحة، إلّا أن الإصرار الأميركي على فصل مسار لبنان عن الملف الإيراني أفسد هذه الحسابات. وما يزيد الموقف حرجاً هو «المهلة الزمنية» التي تلوّح بها إسرائيل للعودة لسياسة «الأرض المحروقة» في حال فشل المسار الدبلوماسي، مما يضع بعبدا تحت ضغط «التفاوض تحت النار».
عبور الجسر المهتز
لبنان اليوم أمام مفاضلة تاريخية. إصرار ترامب على لقاء «عون - نتنياهو» ليس مجرد رغبة في التقاط صورة، بل هو شرط أساسي لإطلاق قطار إعادة الإعمار وتثبيت السيادة بضمانات دولية. فإما أن ينجح الرئيس عون في انتزاع «سيادة الضمانات» التي تنهي زمن الدويلات كما تروّج واشنطن، أو أن لبنان سيبقى ساحة لتصادم الإرادات الدولية فوق ركام مدنه وقراه. الساعات المقبلة ستحدد ما إذا كان لبنان سيغنّي «موال السيادة» الذي وعد به عيسى، أم سيظل أسيراً لمعادلات الرفض التي يتمسّك بها قاسم وسط نيران الحرب التي لا تنطفئ.