بيروت - لبنان

اخر الأخبار

12 شباط 2026 12:00ص لبنان بين المنطقة المحاصَرة والمنطقة القلِقة

حجم الخط
د. مهى محمد مراد

يبدو أنّ لبنانَ اليوم عالقٌ بين فكَّين متقابلين، لا يملكُ القدرة على الإفلات من ضغطهما ولا حتّى تجاهلهما. فمن جهة، هناك منطقة محاصَرة تمثّلها إيران بكل ما تحمله من صراع مفتوح مع المجتمع الدولي، ومن جهة أخرى منطقة قلِقة تمثّلها إسرائيل، التي لا تخفي هواجسها الأمنية ولا مساعيها الدائمة لدفع الولايات المتحدة نحو مواجهة مباشرة مع طهران. وفي قلب هذا المشهد الإقليمي المتشابك، يقف لبنان، الصغير بحجمه، الكبير بأزماته، يدفع ثمنَ صراعات لا ناقةَ له فيها ولا جمل.
نحن لم نصل إلى هذه النقطة المصيرية صدفة، بل نتيجة تراكمٍ طويلٍ من الجهل السياسي وغياب الوعي الوطني، حيث انقسم اللبنانيون - عن قصد أو عن غير قصد - بين اصطفافات خارجية متناقضة، فهناك من ربط مصيرَ البلد بالمشروع الإسرائيلي، وهناك من ربطه بالمشروع الإيراني، وفي الحالتين غاب المشروع اللبناني الخالص، وغابت المصلحة الوطنية الجامعة.
هكذا انقسم لبنانُ إلى قسمين:
قسم يعيش حالة قلق دائم، يترقّب ضربة كبرى قد تطال البلاد في أي لحظة، ويستشعر الخطر على حياته وعلى مستقبل أولاده، وقسم آخر يشعر بأنه محاصَر، متمسّك بموقفه السياسي والعقائدي، مهما كانت الكلفة الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية… وبين القلقِ والحصار، يضيع الوطن.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إلى متى سنبقى أسرى صراعات الآخرين؟ إلى متى سنحمل همومَ الإقليم على أكتافنا، ونعرّض أبنائنا ومستقبلنا للمجهول، من أجل أجندات لا تعترف بحدود ولا بخصوصيات؟ إلى متى نقبل أن نعيشَ في حصار دائم بدل أن نعيش بكرامة وسلام؟
لقد تحوّل هذا الواقعُ إلى عبء نفسيّ جماعيّ، حيث بات القلق أسلوبَ حياة، والخوفُ جزءاً من يوميات اللبنانيين، وبالتالي، انعكس ذلك انهياراً في الصحة النفسية، وتراجعاً في الإنتاجية، وتدميراً ممنهجاً لأي إمكانية لبناء اقتصاد منتج أو تحقيق تنمية مستدامة. فالبلد الذي يعيش على وقع التهديد الدائم لا يستطيع أن يخطط، ولا أن يستثمر، ولا أن ينهض.
ومن الواضح أن لبنانَ لا يسير إلى الأمام، بل يتراجع إلى الوراء، اقتصادياً وتنموياً، فيما دول المنطقة، رغم أزماتها، تبحث عن مخارجَ وحلول.
أما نحن فما زلنا ندور في الحلقة ذاتها، نعيد إنتاج الانقسام، ونراكم الخسائر.
من هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى مقاربة مختلفة، واقعية وجريئة في آنٍ معاً، تقوم على إعادة تنظيم الدولة من الداخل، بدل الارتهان الدائم للخارج. وفي هذا السياق، تبرز اللامركزية الإدارية الموسّعة، عبر القضاء الموسّع، كأحد الحلول الممكنة، كما أشار الناشط السياسي والمرشّح المستقلّ الدكتور بول الحامض في كتابه «الإصلاح الإداري في لبنان، اللامركزية الإدارية: جسر عبور نحو التنمية المستدامة».
فاللامركزية الإدارية لا تعني التقسيم، بل إدارة الاختلاف، وهي تتيح فصل المسارات التنموية والإدارية بين المناطق، بحيث لا تتأثر كل البلاد بالهواجس الأمنية أو السياسية لمنطقة بعينها. مناطقُ تعيش حالة قلق، وأخرى تبحث عن الاستقرار؛ مناطقُ قادرة على النمو، وأخرى أضعف، ولكلٍّ أولوياته وخياراته، ضمن إطار الدولة الواحدة.
بهذا الخِيار، يمكن للبنان أن يخفف من وطأة الصراع الإقليمي على كيانه الداخلي، وأن يفتح نافذة أمل نحو تنمية متوازنة، تحترم التنوّع وتحمي الاستقرار، وتعيد للناس حقهم الطبيعي في العيش بأمان، بعيداً من الحصار والقلق الدائم.
فالأوطان لا تُبنى على الخوف، ولا تنهض وهي رهينة صراعات الآخرين. ولبنان، إن أراد البقاء، عليه أن يختار نفسه أولاً.