بيروت - لبنان

اخر الأخبار

23 كانون الأول 2025 12:00ص لبنان بين دعواتِ الضّمّ وواقعِ الاستقلال: قراءةٌ في الهُويّة والسيادة

حجم الخط
د. مهى محمّد مراد

أثار تصريحُ طوم برّاك، المبعوث الأميركيّ في لبنان، حول ضرورة ضمّ لبنانَ إلى سوريا، جدلاً واسعاً لما يحمله من مساسٍ مباشر بخصوصية الكيان اللبنانيّ وبمبدأ السيادة الذي بُنيَ عليه منذ تأسيسه. وبرأيي الشخصيّ، فإنّ هذا الطرح لا يستند إلى أيّ منطق تاريخيّ أو سياسيّ، لأنّ العلاقة بين البلدين تجاوزت منذ أكثر من مئةِ عام فكرة الوحدة أو الدمج، وصولاً إلى تأسيس لبنان الكبير عام 1920، وهو كيانٌ وطني مستقل، له حدوده ونظامه السياسيّ وهُويته الخاصة.
لبنانُ الكبير، كيانٌ بُنيَ على الاستقلال...
فمنذ مئة عام وأكثر، ترسّخت حقيقة أنّ لبنانَ دولةٌ قائمة بحدّ ذاتها، لها دستورها ونظامها ومؤسساتها، ولا يمكن اختزال هذا التاريخ الطويل باقتراح إعادة ضمّه إلى دولة أخرى تختلف جذرياً في بنيتها السياسية. فلبنان لم يكن يوماً جزءاً من إدارة سورية حديثة، بل هو كيان تشكّل عبر مراحلَ تاريخية وفكرية واجتماعية متعددة.
وبالتالي، فإنّ لبنان يتميّز بكونه البلد الوحيد في المنطقة الذي حافظ على نظام ديمقراطي رغم كل الأزمات التي واجهته. وهذا عامل جوهري يفصله عن سوريا، التي لا تقوم على نظام ديمقراطي، وهو ما يجعل أيّ حديث عن دمج البلدين غير منطقي وغير قابل للتطبيق. فكيف يمكن لدولة تعتمد نظاماً جمهورياً غير ديمقراطي أن تُدمَج مع بلد شكّل أُنموذجاً للتعددية والحرية السياسية؟
إن هذه التناقضات العميقة هي أحد أبرز الأسباب التي جعلت الاتفاقيات بين لبنان ودول أخرى غالباً ما تفشل.
أمّا بالنسبة لمعضلة الداخل، فسببها الأحزاب والولاءات المتقلبة، فعلى الرَّغم من أنّ لبنان يتميّز بديمقراطيته، إلّا أن بعض رؤساء الأحزاب لا يدركون معنى الديمقراطية الحقيقية، فيميلون إلى الولاء لدول خارجية بدل الولاء للبنان ودستوره. وهذا ما يُضعِف السيادة اللبنانية ويشوّه النظام السياسي ويجعل الداخل نفسه مصدرَ تهديد لهُويّة لبنان، أكثر من أي دعوة تأتي من الخارج.
والجديرُ ذكره، أنّ لبنان دولة قائمة بذاتها، وهُوية مستقلة يصل عمرها إلى أكثرَ من قرن من الزمن، ولا يمكن اختزال تاريخه، ولا محو ديمقراطيته، ولا دمجه مع دولة تختلف عنه في نظامها وهويتها.
فالتمسّك بلبنان الكبير ليس مجرد موقف سياسي، بل هو دفاع عن سيادة، وعن حرية، وعن أنموذج فريد في المنطقة.
ويبقى الخطر الحقيقي ليس في الدعوات الخارجية، بل في القيادات الداخلية التي تتخلّى عن روح الديمقراطية التي تميّز هذا الوطن.
وهكذا، يتبيّن أنّ لبنانَ، بتاريخِه وهُويّته ونظامه الفريد، ليس كياناً قابلاً للمساومة أو للإلحاق تحت أي ذريعة. فالدعواتُ إلى الضمّ لا تُسقط دولة وُلدت من إرادة شعبها، ولا تُلغي مئة عام من التراكم السياسي والدستوري الذي صاغ شخصيتها الوطنية. إنّ صمود لبنانَ ليس نتاجَ جغرافيا ولا صدفةَ تاريخ، بل نتيجة إيمانٍ راسخ بأنّ هذا الوطن، على هشاشته، يحمل فكرةً أكبر من مساحته: فكرة الحرية والتعددية والسيادة. ومن هنا، فإنّ التحديَ الحقيقيّ يكمن في قدرة اللبنانيين على حماية هذه الفكرة من الداخل قبل الخارج، وتجديد التزامهم بلبنان الذي أراده الآباء المؤسسون: وطناً نهائياً، سيداً، حراً، ينتمي إليه أبناؤه قبل أن ينتموا إلى أي مشروع آخر. فبهذه الروح وحدها يستمرّ لبنان الكبير... ويستحقّ أن يبقى.