بيروت - لبنان

اخر الأخبار

30 كانون الأول 2025 12:00ص لبنان: حين يُختَبَر العدل تُختَبَر الدولة!

حجم الخط
القاضي م. جمال الحلو

ليست الدولة نصوصاً دستورية ولا شعارات مرفوعة، بل هي قبل كل شيء عدالة تُطبَّق. ففي لبنان، لا يكمن الخلل في غياب القوانين، بل في المسافة الفادحة بين وجودها وتعطيلها، وبين عدالتها المكتوبة وانتقائيتها الممارسة.
لقد تحوّل مفهوم الدولة، على مدى سنوات، إلى فكرة مؤجَّلة تُدار بمنطق التسويات لا بمنطق الحق، وباعتبارات التوازن لا باعتبارات القانون. فغدا الاستثناء قاعدة، وتعليق المحاسبة ممارسة مألوفة، حتى بات المواطن يختبر الدولة لا في حمايتها له، بل في قدرته على التكيّف مع غيابها.
إن أخطر ما واجهه لبنان في أزماته المتلاحقة ليس الانهيار المالي وحده، بل انهيار الثقة بالعدل. فحين يشعر الفرد أن القانون لا يُطبَّق إلا على الضعفاء، وأن المساواة تُقاس بالانتماء لا بالحق، تسقط هيبة الدولة، وتُفرَّغ الشرعية من مضمونها.
العدالة ليست ترفاً قانونياً، ولا مطلباً نخبوياً، بل هي الشرط الجوهري لقيام الدولة. فالدولة التي تتردّد في إنفاذ قوانينها تفقد قدرتها على الحماية، والدولة التي تُنفّذها بانتقائية تفقد مشروعيتها. وبين التردّد والانتقائية، يقف لبنان اليوم أمام امتحان مصيري.
لقد أظهرت التجربة اللبنانية أن الاستقرار الذي يُبنى على تعطيل القضاء، أو تسييسه، أو تطويعه، ليس استقراراً حقيقياً، بل هدنة هشّة تُراكم أسباب الانفجار. فالقضاء ليس مرفقاً من مرافق الدولة فحسب، بل هو ضميرها العملي، والميزان الذي تُقاس به صدقية السلطة أمام مواطنيها.
وما من دولة يمكن أن تستقيم إذا خاف القاضي من تطبيق القانون، أو إذا شعر أن العدالة تُدار بمنطق النفوذ لا بمنطق النص. فالعدالة التي تخضع للحسابات تفقد صفتها، وتتحوّل من ضمانة إلى أداة، ومن حصنٍ للمجتمع إلى عبءٍ عليه.
في بلدٍ تعدّدي كلبنان، لا تحمي العيش المشترك الشعارات ولا النوايا الحسنة، بل قضاء مستقلّ يُنصف الجميع بلا استثناء. فالتنوّع الذي لا يحميه قانون عادل يتحوّل من غنى إلى انقسام، ومن فرصة إلى تهديد دائم للوحدة الوطنية.
لبنان لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى قرار واضح بأن يكون القانون مرجعية نهائية، لا ورقة تفاوض، ولا أداة تأجيل. دولة يشعر فيها المواطن أن حقه لا يُستجدى، وأن كرامته لا تُمنح، بل تُصان بحكم القانون.
في النهاية، حين يُختَبَر العدل في لبنان، يُختَبَر وجود الدولة نفسه.
فإمّا عدالة تُعيد للدولة معناها، وإمّا دولة مؤجَّلة... إلى أجلٍ غير معلوم.