السؤال المحوري عشية اجتماع اللجنة الخماسية على مستوى عَيّلي في مصر للبحث في آليات مؤتمر دعم الجيش في الاسبوع الاول من آذار المقبل، وعشية الاجتماع الشهري «للميكانيزم» المعنية بمراقبة قرارات وقف النار بموجب الاتفاق الموقَّع بين لبنان واسرائيل في 28 ت2 2024، تحت عنوان وقف العمليات العدائية، السؤال المركزي:
مَنْ يحمي لبنان من الاعتداءات الاسرائيلية ومن حركة الطيران الحربي والجوّي والقصف البري والبحري من قبل دولة الاحتلال؟ واستطراداً، من يوقف اسرائيل عند حدّ ما، ويجعلها تمتثل لمندرجات اتفاق وقف النار مع لبنان؟
وفي معرض الإجابة، انطلاقاً من الوقائع الجارية، ومن دون أية مجاملة أو مواربة، أن لا قوة على الارض بإمكانها ردع اسرائيل أو اقناعها باحترام الاتفاق مع لبنان..
الذرائع الاسرائيلية الموسومة بصفة الكذب الدائم، تركّز على ان الضربات تستهدف منشآت الحزب وقيادييه القادرين على اعادة اطلاق الصواريخ التي تهدّد المستوطنات في الشمال.. وسوى ذلك من المعزوفات الممجوجة، فيصير مثلاً اغتيال احمد طرمس في طلوسة اغتيالاً (وهو المدني) لقائد عسكري يذكِّر بأيام هنيبعل ونبوخذ نصر ايام السبي البابلي.
إذاً، لنتفق اولاً على ان لبنان في مأزق، فلا الدبلوماسية تمكنت من وضع حدّ لآلة الحرب التي تفتك بالجنوبيين والبقاعيين، على وجه التخصيص، وعلى اللبنانيين على وجه العموم: الدولة اللبنانية في مأزق.. ولا حزب الله، او المقاومة المسلحة، في مأزق، اشد اتساعاً من مأزق الحكومة والسلطات على اختلافها، فلا هو (اي الحزب) قادر على قبول ما يجري مع الاغتيالات المتمادية للعناصر الحزبية المدنية والقيادات العسكرية، وآخرها الضربة المميتة في منطقة بعلبك، وهناك عمق البيئة الحاضنة لحزب الله تاريخياً وحاضراً، ولا هو قادر على الرد على الضربة بضربة كما كان يحصل سابقاً، في ما كان يُعرف بقوة الردع لدى المقاومة، ايام الامين العام للحزب الشهيد السيد حسن نصر الله، وفي حقبة ما قبل السيد الانخراط في حرب الاسناد، لإسناد حركة حماس والفصائل الفلسطينية في حرب طوفان الاقصى.. اذاً، الحزب في مأزق يتراوح بين الاشمئزاز والسكوت، والتوثب للعودة الى المقاومة..
والمسألة الاخيرة، اي العودة الى المقاومة، دونها صعوبات، ليس اقلها عدم قبول الدولة في ظل الالتزامات الجارية لحصر السلاح في كل لبنان، بعد جنوبي الليطاني للعمليات العسكرية، ايام قاعدة «جيش، شعب ومقاومة» والتي كانت تتضمنها البيانات الوزارية، فضلاً عن ان البيئة الشعبية لم تعد لا راغبة ولا قادرة على تحمل موجات موت وقصف وتدمير، وتهجير جديدة، فضلاً عن مخاوف جدّية من توسع المساحات المحتلة، مع اعلان رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتنياهو عن ان ما يسميه «الشريط الامني» في الجنوب، والشريط الامني في جنوب سوريا ليس على جدول اعمال حكومته اي توجه للانسحاب منها..
لم يكن ما كتبه السفير الاميركي في اسرائيل حول حقها بالسيطرة الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية على الشرق الاوسط، وأن بلاده لا تعارض ذلك، آتياً من فراغ، فهو حصيلة سياسات ليست جديدة، لكن «الوقائع الملعونة» التي شهدها الصراع العربي - الاسرائيلي، على مستوياته كافة، جعلت تسويق مثل هذه الامور، وكأنها في سياقها الطبيعي.
وفي الخلفية، ان ما كتبه العلامة البريطاني المؤرخ الشهير الاستاذ ارنولد تويبنبي، في الجزء الثاني من كتابه «مختصر دراسة للتاريخ» يقع محله، فهو اشار في تحليله الرائع لأطماع اليهود، معيداً هذه الاطماع الى جذورها الاصلية، الى ان «الصهيونية لن تقنع بفلسطين وحدها، بل ان هدفها النهائي تكوين امبراطورية مركزها القدس، وتتحكم في اقدار العالم الاقتصادية والسياسية، وقد اصبح تحقيق هذه الاطماع عملياً، قوام العقيدة اليهودية منذ الأسر البابلي».
كل الوقائع، تدل في ازمنة «الجزر العربي» (مدّ وجزر) ان مجرى التاريخ في صراعات الشرق الاوسط يسير بهذا الاتجاه..
وليس من قبيل المصادفة ان يعلن نتنياهو جهاراً ان حكومته لن تساهم مالياً في مجلس السلام من اجل غزة، الذي يترأسه الرئيس الاميركي دونالد ترامب الذي يتصرف على مسرح دول العالم قاطبة، بأنه «برباروس» (لفط يوناني يطلق على الانسان ذو السلطات الواسع، وحسب الاساطير اليونانية فإنه كان جباراً ذا مائة ذراع) يكفي ان يصدر اوامره، حتى يتعين على دول العالم ان تنصاع بسرعة البرق الى اطاعة ارادته، على مستوى الثروات والحكومات والانتخابات والرسوم الجمركية والحروب، وفي واجهتها الحشود العسكرية في مياه البحر المتوسط والبحر الاحمر وخليج العرب، وصولاً الى مضيف هرمز.
في لحظة مبهمة، في كلمة خلال اول اجتماع لمجلس السلام من اجل غزة، تحدث عن مشكلة لبنان البسيطة، ووعد بحلّها!
ولكن السؤال كيف يكون الحل: هل على طريقة انذار لحزب الله، على نحو ما حدث مع «حماس» قبل وقف الحرب ومجلس السلام الذي يرأسه؟!
بلغة ترامب، اهتمام الرجل بلبنان مسألة رائعة، وعظيمة، قبل ان يعرف المرء خيرها من شرها..
وعليه، يبدو السؤال المطروح في اول التقرير عن المأزق في محله تماماً، مع بروز مآزق الحروب في الشرق الاوسط، والمخاوف المتكوّنة لدى دول المنطقة. او في العالمين العربي والاسلامي، أن مخاطر حروب الحلف البروتستنتي - اليهودي برئاسة برباروس اميركا العظمي كانت واضحة للمعنيين، وفي مقدمهم الساسة والقادة!