بيروت - لبنان

اخر الأخبار

2 شباط 2026 12:00ص لماذا أُسِّس فريق «حماة الدستور» بعد 17 تشرين 2019؟

حجم الخط
المهندس شوقي الفخري*

أثار ردّ فعل أحدهم على مقالةٍ لزميلنا في فريق «حماة الدستور» حملت عنوان «مراهقة سياسيّة داعية إلى تغيير الدستور في ظل تحكّم دولة الميليشيات» جملةً من الإشكاليّات العميقة التي تستوجب التوقّف عندها. فقد عكست تلك الردّة بما لا يدع مجالاً للشك حجم الغياب المقلق للمنطق الدستوري ولمبادئ بناء الدول الحديثة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، الذين اعتادوا بفعل الممارسة القسريّة على مفاهيم سلطة المحاصصة الميليشياويّة، ولم يُتح لهم بعد التمييز بين النص الدستوري من جهة والانحراف في تطبيقه من جهة أخرى، ولا بين برنامج عمل الدولة الدستوريّة الطبيعيّة وبين فيروس سلطة الأمر الواقع الذي تفرضه الميليشيات المتحكّمة بمفاصل الدولة وتشريعاتها.
وفي خضم هذا الالتباس وانسياق بعض ممّن يجهل قواعد العمل الدستوري الحقيقي خلف أطروحات تتناقض مع منطق الدولة المؤسّساتيّة الديمقراطيّة، يبرز سؤال جوهري يتكرّر بإلحاح في الآونة الأخيرة:
هل المطلوب صياغة دستور جديد «للمواطنين لا للطوائف»، كما يروّج البعض؟ أم أن المدخل الحقيقي للخلاص يكمن في التطبيق السليم للدستور الحالي واتفاق الطائف ضمن رؤية متكاملة؟ ولماذا؟
هذا السؤال لم يكن طارئاً بل رافقنا طوال مرحلة «الانتفاضة المجيدة» منذ 17 تشرين الأول 2019، ويعود ليطفو على السطح مع كل استحقاق انتخابي نيابي. ويعود سبب طرحه أساساً إلى حجم الانهيار الشامل وغير المسبوق الذي أصاب لبنان، انهيار طال مؤسّسات الدولة بكاملها وتجلّى في كارثة ماليّة وُصفت بأنها من الأكبر عالمياً، تمثّلت في نهب أموال الدولة والمساعدات الخارجيّة وسرقة ودائع المواطنين، فضلاً عن الانهيار الممنهج في القطاعات التربويّة والصحيّة والقضائيّة والإعلاميّة وسواها.
من هنا وُلدت مجموعة «حماة الدستور» خلال انتفاضة 17 تشرين، بهدف بناء قاعدة فكريّة واضحة المعالم تُسقط الذرائع عمّن حاولوا اختطاف الانتفاضة وتوجيهها بعيداً عن هدفها الأساس: «استعادة الوطن وبناء الدولة». وانطلقت المجموعة رغم استقلاليّتها الكاملة وإمكاناتها المتواضعة في تحرّكات نشطة ومؤثّرة، تفرّع عنها «درع الثورة» لحماية المتظاهرين إضافة إلى تحرّكات «قطار الثورة» بعناوينه المختلفة في عدد من المناطق، لاستنهاض اللبنانيين للمطالبة بحقوقهم المسلوبة ودولتهم المفقودة. كما التقينا في مسارنا مع لبنانيين شرفاء، وأطلقنا سوياً حركة «فرض تطبيق الدستور» في تقاطع طبيعي على الهدف والوسيلة.
نحن في «حماة الدستور» نؤمن بأن التطبيق الجديّ والسليم للدستور اللبناني كفيل وحده بإيصال لبنان إلى مصاف الدول المتقدّمة، دولة ديمقراطيّة تعدديّة تتوافر فيها كل مقوّمات الحياة السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة السليمة. ونعتبر أن الفشل الكارثي الذي نعيشه اليوم لا يعود إلى خلل في نص الدستور أو روحه، بل إلى تعطيله المتعمّد وعدم تطبيقه لإرساء قواعد الدولة، واستبداله بنظام طائفي تحاصصي يناقض جوهره، خصوصاً أن التطبيق يتطلّب إصدار قوانين ومراسيم تطبيقيّة لم يُعمل عليها يوماً عن سابق تصوّر وتصميم.
أما رؤيتنا لتطبيق الدستور فتنطلق أوّلاً من مقدّمته التي تتمتّع بقوّة إلزاميّة وتشكّل الإطار المرجعي الذي لا يجوز الخروج عنه في أي اجتهاد أو تطبيق للمواد الدستوريّة. فهذه المقدّمة تؤسّس لدولة ديمقراطيّة تعدديّة جامعة، رغم وجود مجموعات طائفيّة ومذهبيّة تعمل قوى داخليّة وخارجيّة على تغذيتها لأهداف لا تخفى على أحد.
وتكفل مقدّمة الدستور بوضوح:
• قيام دولة ديمقراطيّة حقيقيّة (البند أ من المقدّمة).
• تحقيق العدالة الكاملة لجميع المواطنين دون أي تمييز طائفي (البند ج من المقدّمة). • صون الحريّات العامّة بكل أبعادها كما نصّت عليها الشرعة العالميّة لحقوق الإنسان (البند ب من المقدّمة).
• توفير الضمانات الوجوديّة والسياسيّة لجميع الطوائف مهما كان حجمها العددي (البند ي من المقدّمة).
في المقابل ثمّة ثلاث ركائز دستوريّة أساسيّة لم تُطبّق أصلاً بل جرى تجاهلها عن قصد، واستُعيض عنها بممارسات تناقض الدستور وتشكّل جوهر الأزمة اللبنانيّة:
أولاً: قانون الانتخاب: جميع القوانين الانتخابيّة التي أُجريت على أساسها الانتخابات منذ إقرار اتفاق الطائف حتى اليوم هي قوانين مخالفة للدستور، وقد أفرزت طبقة سياسيّة مسؤولة عن المنظومة الفاسدة الراهنة. والمدخل الصحيح يبدأ بتطبيق المادة 22 من الدستور أي نظام المجلسين. ولمجلس الشيوخ المنصوص عليه دستورياً فوائد جوهريّة، أبرزها: • منع هيمنة العامل العددي على القرارات المصيريّة، بما يحول دون ربط أي مكوّن داخلي بمحاور خارجيّة قادرة على جرّ لبنان إلى خيارات لا تخدم مصلحته الوطنيّة.
• طمأنة الأقليّات عبر ضمان تمثيل ثابت ومتوازن لا يتأثّر بالتبدّلات الديمغرافيّة. • إسقاط سلاح التخويف المتبادل الذي تستخدمه القيادات الطائفيّة لتعبئة جمهورها وشدّ عصبها.
في المقابل يُنتخب مجلس النواب خارج القيد الطائفي ضمن دوائر محدّدة وفق ما نصّ عليه اتفاق الطائف، وبعد إعادة توزيع المحافظات بشكل متوازن.
ثانياً: اللامركزيّة الإداريّة والإنمائيّة: إقرار هذا القانون يشكّل ركيزة أساسيّة لتنظيم إدارة المناطق وتمويل مشاريعها بما يحقق إنماءً متوازناً ومتكاملاً، ويعزّز مفهوم المواطنة على حساب الانتماءات الطائفيّة ويحرّر المواطن من التبعيّة السياسيّة مقابل الخدمات.
ثالثاً: هيئة إلغاء الطائفيّة السياسيّة (المادة 95): وهي الهيئة التي كان يفترض تشكيلها منذ عام 1992. ودورها محوري في تطوير القوانين ومراقبة تطبيقها ورصد التحوّلات الاجتماعيّة، بما يجعلها بمثابة «مرصد وطني» يواكب الانتقال التدريجي من المجتمع الطائفي إلى مجتمع المواطنة ويسهم في بناء الدولة الحقيقيّة المنشودة.
انطلاقاً مما تقدّم يتبيّن بوضوح أن الخروج من الأزمة لا يمرّ عبر الدعوات الشعبويّة إلى تغيير الدستور في ظل هيمنة دولة الميليشيات، بل عبر الإقلاع عن هذه «المراهقة السياسيّة» والعمل سوياً على فرض تطبيق سليم للدستور للوصول إلى ما يطمح إليه اللبنانيون على اختلاف انتماءاتهم: دولة مؤسّسات دستوريّة راعية، قادرة وعادلة، تُحترم فيها القيم الدينيّة والإنسانيّة ويغدو الدين غنىً لهذه الدولة «الرسالة» لا أداة انقسام أو تعصّب وتغيب عنها الممارسات المذهبيّة المتطرّفة لصالح دولة المواطنة والقانون.

* عضو مؤسِّس في المركز المدني للمبادرة الوطنيّة وعضو مؤسِّس في مجموعة «حماة الدستور»