بيروت - لبنان

اخر الأخبار

14 تشرين الثاني 2025 12:00ص لهذه الأسباب.. لا حرب على لبنان!

حجم الخط
على طريقة حسني البورظان في مسلسل «صح النوم» الشهير يمكن القول أنه إذا أردتَ أن تعرف هل سيشنّ نتنياهو حرباً جديدة على لبنان، عليك أن تعرف ماذا يجري في رأس نتنياهو المرتبط عضوياً برأس دونالد ترامب!
فنتنياهو اليوم في أسوأ وضع له على الإطلاق منذ هياجه الجنوني بعد «طوفان الأقصى» حين ذهب خائباً غاضباً إلى الولايات المتحدة ثم إلى دول كبرى في أوروبا يشكو وينعَى ما أصيبت به إسرائيل من مهانة، وأصيب به هو من ارتباك عميق، فتجنّد الجميع، بمساعدة عربية كامنة، لإنقاذه وإنقاذ دولته التي خبَصتْها عملية الطوفان. فانفلتَ من كل الضوابط الدولية والداخلية والعربية، وشرَع بسلاحه المعروف: القتل والتدمير على أوسع نطاق. وكان مع كل مداولات لهدنة أو محاولة لوقف إطلاق النار، ينقلب بذرائع مركّبة ومُختَلَقة ويتحرر أكثر في تعميق وتأبيد القتل والتدمير في غزة.. لسنتين طاحنتين. بعد قرابة السنة من المجازر بدأت شعوب العالم تشعر أن ما يفعله نتنياهو تجاوز كل حدود «الدفاع المشروع عن النفس» الذي يتسلّح وتتسلح دوَل العالم في دعمه له. وارتفعت أصوات المجتمعات الغربية، وحتى في الولايات المتحدة اعتراضاً ورفضاً للمستوى العدواني المنقطع النظير، في حين استمر نتنياهو إيغالاً في الدم وزهق أرواح الشيوخ والأطفال والنساء والرجال الآمنين والمدنيين بلا هوادة، معتقداً بأن التظاهرات الشعبية ستسكن بعد وقت قليل، وسيحقق نصراً تاريخياً يهودياً يضعه مع أبطالهم الكبار الذين سبقوه في هذه المهنة الإرهابية السوداء، وسط تأييد من الرئيس الأميركي بايدن، ثم الذي خلفَه ترامب... حتى وصلنا إلى هنا.
وبلا طول سيرة، حلّ نتنياهو أخيراً داخل.. القفص. من محاكمته في إسرائيل التي تقض مضجعه وتخيفه من نهايةٍ يُطرد فيها من موقعه في كرئيس للحكومة في إسرائيل، ما استدعى لجوئه إلى ترامب الذي وجّه تمنياً في خطاب الكنيست، قبل أقل من شهر، دعا فيه السلطة السياسية والقضائية في إسرائيل إلى العفو عنه لأن الأسباب «ما بتحرز»... إلى انعكاس صورة اليهود التي تشوّهت عميقاً في المجتمعات الغربية التي كانت مُساعدة من قبل، فحدثَ تململ جديّ في إسرائيل خوفاً من تراجع العالم المفاجئ عن تأييد إسرائيل، وظهرت دعوات للبحث عن حلول... وصولاً إلى الاتفاق الأخير لوقف إطلاق النار (ولم يتوقّف أبداً!) الذي رعاه وسوّق له بمشاركة عربية، دونالد ترامب كرئيس له في شرم الشيخ.
وقد حاول نتنياهو التملّص من الاتفاق بحجج جاهزة، وأخطبوتية، لكنّ ترامب حجّمَه معتبراً أن فَرْطَ الاتفاق من نتنياهو، بعد موافقة «حماس» ودوَل العالمين الغربي والعربي، هو ضربة لهيبة أميركا الراعية، وبصدقٍ يبدو ثابتاً هذه المرة من ترامب، فأُسِرت حركة نتنياهو، وبات محكوماً بعوامل ضاغطة وقوية لا يستطيع خَرْقَها بأي تصرف أخرق إضافي.
ونتنياهو اليوم في هذه الزاوية المُحاصرة بكل الظروف الآنفة الذكر، وفوقها اتفاق شرم الشيخ السائر بخطى بطيئة لكنْ مقبولة لترامب.
هذا في ناحية نتنياهو. أما ناحية ترامب، فحدّث ولا حرج. ليس هيّناً عنده أبداً نجاح زُهران ممداني كممثل للحزب الجمهوري في عمادة بلدية نيويورك، وقد اعتُبر هذا النجاح ردّاً على الحزب الديمقراطي الذي فتح لنتنياهو «اعتماداً» هائلاً ضيّعه في ثورة مواقفه وهيجان طيرانه الحربي وصواريخ العابرة لأي منطق في العدالة البشرية. ومع أنه اتُّهِم دولياً بإبادة الفلسطينيين ولوحق من بعض الدول، استمر قافزاً فوق كل الحواجز كمن يركل قوانين الأمم المتحدة وهيئاتها.. بحذائه. خصوصاً أنه سبق انتخاب ممداني اجتماع ألف حاخام يهودي من كبارهم في نيويورك دعوا في بيان إلى عدم التصويت لممداني بذريعة أنه ضد اليهود وضد إسرائيل، فكانت النتيجة تصويت ثلاثة وثلاثين بالمئة من يهود نيويورك له.
كذلك ليس هيّناً على ترامب أن يُجرَى إحصاء البارحة في خمس ولايات أميركية لتأتي النتيجة إن أكثر من أربعين بالمئة من السكان لن ينتخبوا في مقبل الأيام أي مرشح لأي مؤسسة رسمية أميركية إذا كان مرتبطاً أو مدعوماً من اللوبي الصهيوني «آيباك»، ومعروف أن هذه المنظمة الأميركية اليهودية الطبع والطابع هي المسيطرة على السياسة الداخلية الأميركية، وتفرض رأيها ورؤيتها على الجميع، بموافقة الجميع!
وبقدر ما تضررت جذرياً صورة إسرائيل تضررت صورة أميركا الموافقة على أفاعيل نتنياهو ما استدعى ترامب إلى التراجع خطوات إضافية عن تغطيته. فضلاً عن الانشغال بالملف السوري، وزيارة الرئيس السوري أحمد الشرع وأركانه إلى البيت الأبيض، وما يُحكى عن اتفاقات والتزامات مقبلة تحتاج نقاشاً من نتنياهو بعيداً عن لغة الحروب المتمادية التي قرّر نتنياهو أنها.. الوحيدة التي إنْ تعلّق بحبالها ستؤخّر عنه ساعة الحقيقة.
في هذا التوقيت العصيب على رئيس وزراء الدولة العِبرية، يجزم كثُر أنه يستحيل مجدّداً هروبه إلى الأمام بحرب جديدة على لبنان يعرف هو وترامب أنها غير «مناسِبة» لهذه المرحلة، خصوصاً أن الدولة اللبنانية فعَلت أكثر مما تستطيع بقرار حصرية سلاح المقاومة، ومع ذلك لم تبدو أية ملامح تعاون إسرائيلي في ملف القرار ١٧٠١ الذي يترنّح تحت الضربات الإسرائيلية اليومية المتفرقة، وهي فعلياً «ميني حرب».
من هنا يُفهَم كل الكلام الداخلي اللبناني عن حرب جديدة لإسرائيل علينا، نوعاً من المماحكات المألوفة والسيئة السّمعة بين طرفين: أحدهما يهوّل بالحرب (ويضع محدّداتها!) عبر أصوات ربما تريدها لكنْ لا تأثير لها في مجرى المشهد العام المبَيّن هنا في المنطقة والعالم، والثاني ينفي حصول الحرب ويقدّر أننا حالياً سنبقى في نقطة الوسط بين حرب ولا حرب.. لكنْ طبعاً من دون حلّ واضح وكامل.
من هنا أيضاً، فإن الحرب على لبنان، اليوم، تعني مضاعفة النقمة الشعبية العالمية على إسرائيل مجدّداً، وكذلك على ترامب الذي لا بدّ إذا قرر نتنياهو حرباً علينا، أن يكون موافقاً عليها لإمكان أن تُحصّل شيئاً إضافياً واضحاً، أما إذا كانت «محاولة» لتحريك الوضع الداخلي بما يخدم إسرائيل فذلك يستدعي عدواناً طويلاً نسبياً، ورغم ذلك فإن نتائجه السياسية الداخلية ليست محسومة، وربما معدومة. هي إذن مرحلة ترقّب وانتظار لمجهول!