كل يوم نصحو على همّ جديد، لا يفارقنا همّ اليوم والأمس، حتى يقرع لنا اليوم التالي بهمّ ينتظرنا على الباب، كأننا خلقنا اللهموم مجتمعة على أبوابنا، وما علينا سوى تنسيق دخولها واحدة واحدة، أو دخولها زرافات، زرافات، على مدار الفصول وأيام السنة.
لكن الأصعب من ذلك، هو أن نسمع التهديدات اليومية من بعيد، وأن نعيش على قرعها، فننهض جفلى من نومنا، ننهض من ثباتنا العميق مذعورين، ونسأل بعد أن نجفل: لمن تقرع الأجراس؟ لمن تقرع العصا؟ كأننا لم نسمع ولم نقرأ. ونقول لسائلنا، بعد التجاهل، وبعد التي واللتيا: ماذا جرى؟ ماذا يجري؟. ماذا قرروا أن يجري علينا؟
كل العيون اليوم مشدودة لزيارة البابا الواعدة. فيرتفع الكرب عنا لأيام. نلهو عن واقعنا المرّ، نقطع الأيام يوما يوما. صار تقطيع الأيام والشهور والدهور من عادتنا. ولو حمل لنا الحبر الأعظم، أعظم ما تشتهي قلوبنا وعيوننا: «السلام علينا». «السلام لنا»...
مقاساة الحروب منذ أول التاريخ، كانت من عاداتنا. لا نريد أن نذكر بما جرى في لبنان عبر تاريخه الطويل من سيول الدماء الجارفة، وكذا لا نريد أن نذكر بالأفخاخ والمصائد.. وبـ«الخوازيق» التي نصبت لنا، ولا بما جرى لفلسطين، منذ مطلع القرن ولا زال جاريا. لا نريد أن نذكر بسوريا، ولا بالأهوال التي قطعتها ورحّلت نصف شعبها إلينا، أو تلك التي مرّت على رأسها. نقول ذلك ونستغفر الله، لأنها كلها صبّت صبّا علينا، من عصا واحدة قرعت لنا ولها...
التهديد والوعيد اليوم، قبل زيارة البابا، يملأن منا آذاننا، ويملأن أيضا آذان الجوزاء فوقنا. غير أننا نتساءل عن سر هذة اليقظة المستعجلة؟ عن سر هذة الهجمة الشرسة، بل المستشرسة؟ فهل كان القرن الذي مضى خافيا عليهم، أما حسبوا حسابا، لكل هذه الغيوم والسيوف الماطرة؟
دعونا من كل هذه التساؤلات القاتلة، لأن سؤالا واحدا يكفي، هو سؤال يختصر كل الأسئلة:
أما شبعت إسرائيل من لحومنا؟ أما إرتوت بعد من دمائنا؟ لماذا يقدم العالم شعوبنا فرائس يومية لها؟ لماذا يخرس عن الإبادات الجماعية.. هنا.. وهناك.. وهنالك... وكذلك ما بعدها...؟
ما هذه العدالة الأممية الإنسانية القهرية... أن تستباح أرضنا بحثا عن أسلحة هم خبأوها علينا، بل بحثا عن مطامر، أمضوا عمرهم في طمرها داخل أرضنا. لماذا يكذبون علينا؟ لماذا يستمرئون ويستسهلون الكذب علينا؟ هل لأننا دولا فاشلة! أو لاننا شعوب غافلة؟! والسؤال موصول إليهم أيضا: لماذا أسسوا لنا دولا فاشلة، وحكومات فاشلة، وعينها لنا الطغاة حكايا، عيّنوا علينا الجزارين والرياحين والقتل... وأبناء القتلة.. وسيروا بعد ذلك، وراء الشعوب، الجواسيس والمخبرين والقتلة...
آلاف الأسئلة، تدور في رؤوسنا، ونحن نسمع التهديدات من قريب، ومن بعيد، تقرع آذاننا، وتقرع لنا العصا.
كفانا وكفاكم مهاترة... فكل ما يجري على أرضنا، هو من صنع أيديكم. هو من صنع المؤامرة التي دبرت للبنان بليل. يوم إغتيل الإستقلال، وإغتيل معه لبنان، في أول ليلة.
وما أشبه اليوم بالبارحة...
* أستاذ في الجامعة اللبنانية