بين ليلة وضحاها، تحوّلت الضاحية الجنوبية، إلى مدينة منكوبة. عروس الضواحي، حوّلتها النيران التي فاجأتها ذات ليل، ذات قصاص، ذات جريمة: إلى مداخن.. مداخن. ترسم بالأسود الحالك ثوبها، وتخرج أمام عيون العالم كله بالشادور الأسود، كليمة، جريحة: ظعينة شبه عارية..
قرر العدو فجأة تأديبها... بلا سؤال، بلا جواب، حيث حارة حريك. وحيث الغبيري، وكذلك الليلكي والجاموس والكفاءات، وشارع الشهيد هادي. أمرت عشرات الطائرات ومئات المسيّرات، وكذلك كل العتاد من السفن الحربية في البحر، لتأديب الضاحية الخارجة عن الطاعة، الضاحية المعاندة، الضاحية الممانعة، لأنها التي لم تعترف بعد، بدخول العصر التلمودي، فهي من ديانة مغايرة.
تركت العدو الحدود الجنوبية التي محاها شيئا فشيئا، تجاوزها شجرة شجرة، وتلة تلة، وجلا جلا، وقرر إحتلال مدينة الضاحية: الضاحية الجنوبية لبيروت. قرر إحتلالها من الجو، ولم يجد ما يمنعها، ولا من يرد المسيّرات وغارات الطائرات وصليات الصواريخ عنها، كان الوقت مساء، كان الوقت ليلا، وكانت الضاحية تمارس شعيرة العبادة.
وقف العالم أجمع مثل الأخرق الجفلان، مثل معتوه، يضرب كفّا بكف، يعاين جريمة إغتصاب الضاحية من الجو، يتفرج على أعظم تهجير للسكان في التاريخ الحديث، أخرجت من جوفها، من أحشائها... نصف مليون نازح، أولدتهم في ساعة واحدة.
أمروا بمكبرات الصوت بالخروج. حزم قرابة نصف مليون حقائب اليد، وخرجوا يفترشون العراء حفاة عراة، من شدّة المفاجأة، من شدّة الهول، من شدّة القصف والعصف، من شدّة النيران. أمرها بالإصطلاء ركوعا في عمق الليل، خارج الحزام الناري، لأن الإقتراب منها يجلب الموت الزؤام.
سقطت كل الشرائع الدولية، أسقطت كلها، من يد العالم، سقطت المنابر والمراكز والمؤسسات، وصارت تمخط تحت الركام، أنهت دورها نفسها بنفسها، ووقفت تتفرج على مآسي النازحين، وعلى مآسي الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة، وعلى هزال العالم الحديث: على أعظم مسخرة عصرية: على أعظم تراجيديا هزلية، على أعظم نكبة.
وقف العدو يتفرّج على عرينا، على هزالنا، وقفت تتفرج علينا!
غير العدو الخارج من التلمود قفازه، وكذلك القوانين العالمية بضربة واحدة، فما عادت هناك جهة محايدة، تستقبل الشكاوى وتنظر فيما وقعت فيه الضاحية، بما لحق بها من مسخرة، يندّى لها جبين التاريخ، يندّى لها جبين الجبابرة.
تحوّلت زهرة الضواحي كلها، بين ليلة وضحاها، إلى مداخن. بدّلت إسمها: صارت ضاحية المداخن. تشتعل فيها المجمعات السكنية، تشتعل المدارس، ورياض الأطفال.. وتشتعل المحال التجارية. فأصيب العالم كله، من شدّة الهول، من وقع الصدمة، عَرَاه البكم والصمم، ولم نعد نسمع صوتا يندّد بما وقعت فيه زهرة الضواحي عندنا.
لم تعد تنفع الشكاوى، ولم تعد تنفع الاستغاثة، ولم تعد تنفع الأصوات المستنكرة. غابت المحاكم الدولية، وماتت العدالة. إحترقت كلها، دفعة واحدة، في مداخن الضاحية.
دخان أسود ملتهب، يشتعل في الحارات، في الشوارع، وفي الأبنية السكنية، وفي أسرّة الأطفال والشيوخ والنساء والمرضى والعجزة. بدت في تلك الليلة المجنونة الضاحية المكلومة الثكلى، والتي كانت تعجّ بنا، خالية في ساعة واحدة. طافت الطرقات بالسيارات. سال الناس على وجوههم، غادروها على عجل، ووقفوا على الشاطئ بعيدا عنها، مسافة فرسخ أو فرسخين: ينظرون كتل اللهب الأحمر، وأعمدة الدخان الأسود. ينظرون بأمّ أعينهم، ما أصاب الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، من محرقة! بدت من بعيد في عمق الليل، قطعة سوداء، بلا ضوء، بلا مواء، بلا عواء، بلا نأمة، بلا حركة... بلا بصيص من نور، بلا شمعة!
أمر طغاة العصر بإحراقها، بإشعالها من جميع الجهات. فبدت فيها المداخن المشتعلة، ترسم في عمق الليل أعظم صورة تاريخية للمحرقة!
كيف نام العالم هاتيك الليلة في الخامس من آذار 2026؟!
بدا القادة والزعماء، يشربون نخب المجزرة. وحده إبن الضاحية في العراء، والمداخن تزداد إشتعالا، قبالة عينيه.
لماذا أوقعوا به، بمثل هذه الجريمة؟ لماذا ترك وحيدا في العراء، يذوق مرّ الموت مرارا، قبل أن تلاحقه إلى الروشة و تمطره مسيّرة؟
مداخن الضاحية التي إشتعلت دفعة واحدة، ليلة الخامس من آذار، أعظم من نكبة معاصرة، هي جريمة عصر، بل جريمة العصر، بل هي أفجع جريمة إنسانية في التاريخ، وكل دول العالم شاهدة. فمتى يستيقظ القانون؟ متى تستيقظ العدالة؟ متى يستيقظ المجرم على فعلته الشنعاء، حين أضرم النار في ذيل ثوب الأضحية، في ذيل ثوب الضاحية؟!
متى تشهد علينا، جميع مداخن الضاحية؟!
* أستاذ في الجامعة اللبنانية