تنعطف الحكومة اللبنانية، شيئا فشيئا إلى الداخل. تحاول أن تسوّي الأوضاع الشاذة التي أنهكت الوطن. تحاول أيضا أن تحيي المؤسسات، وتأخذ بتطبيق القوانين، وتأمر بإنصياع القوى والأحزاب والطوائف، للقرارات الجريئة التي تتخذها.
جميع اللبنانيين، يتشوّقون إلى رؤية الدولة تنهض من تحت الركام، تنفض عنها غبار السنوات العجاف، وتنطلق للشروع بتسديد الخطى، وتنفيذ الإصلاح ولو خطوة خطوة، ولملمة آثار الجروح التي يوجعهم التفلّت والسلاح.
يعرف اللبنانيون ما يحتاجونه في هذه الظروف الصعبة. فحاجتهم ماسّة إلى جيش متماسك قوي، قادر على فرض هيبته في الداخل، تماما كما على الحدود. وحاجتهم ماسّة أيضا إلى قوى أمنية، بل إلى أجهزة أمنية، تتابع تنفيذ القرارات الحكومية، وتمنع اعتداء المافيات على حقوق الشعب في جميع المرافق الحيوية. وتمنع أيضا وأيضا، حصول الجرائم، وبخاصة الجرائم المالية، وتبسط الأمن في البلاد، بحيث يتهيّب المجرمون، أيا كانوا هؤلاء المجرمين، من الإقدام على إرتكاب الجريمة، من أي نوع كانت، ولو «بإستدراج مواطن من بيته، لخطفه في مكان ما.
اللبنانيون متشوّقون هذه الأيام إلى رؤية العدالة تأخذ مجراها، على جميع المستويات. فلا تتوقف هنا وهناك، لأستمزاج هذا الرأي أو ذاك. أليس جميع اللبنانيين سواسية كأسنان المشط، كما تعلّمنا، أمام القانون؟ أليس الدستور، إنما هو فوق الجميع، بل سقف الجميع، أليس هو المرجع الوحيد لجميع الفئات، ولجميع الطبقات، فـ«ليس هناك ناس بسمنة وناس بزيت». فلماذا إذن التهيّب والتخوّف من تطبيقه، حتى يرتاح الجميع لمجرى العدالة، توزع عليهم بالسواسية وبالقسطاس؟
لا نريد أن نظل نتكلم في العموميات. بل نريد أن نضع يدنا على الجرح، وندلّ على الخرق ونضع إصبعنا في العين، ونقول للأعور، «أعور بعينه»، لعلّ في ذلك ما يجعل القيّمين على الدولة، يتنبهون، إلى أن الشعب كله في المرصاد.
لا بد إذن من تعداد مخاوفنا، لا بد من تعداد حاجاتنا، لا بد من تقديم سرديتنا بأولوياتها:
1- وضع اليد على خزانات الماء وتعبئة الصهاريج، لبيعها في السوق؛ إنما هي من الجرائم الكبرى. فلماذا لا تبادر الحكومة لوضع حد لهذا الفلتان؟ وهل صارت الينابيع والكبار والبرك والبحيرات والسداد من الأملاك الشخصية للنافذين وأصحاب اليد الطولى في السوابق والاعتداءات؟
2- سرقة ما تبقّى من طاقة الكهرباء، وبيعها للمواطنين، إنما هو جرم مشهود. فلماذا لا تبادر الدولة إلى جعل الأمور في نصابها، وتحفظ ما تبقّى للناس من حقوق؟ فكيف نشتري الكهرباء من السوق: 24/24، وهي مغذّاة من التيار لساعات وساعات؟
3- مسألة تركيب العدادات للمولدات، وإلزام أصحابها بها، هي من المسائل الضرورية. فلا يصح أن تكون الدولة قادرة، في منطقة، وغير قادرة في منطقة أخرى. لا يمكن القبول بالمحسوبيات، إلّا إذا كانت بعض المرجعيات فوق القانون. وتلك لعمري، هي الطامة الكبرى.
4- لا يمكن التذرّع بالحرب، ولا يمكن التذرّع بالإهمال. فلماذا لا تعالج الدولة، المناطق المنكوبة في الجنوب، ولا تعالج أيضا المناطق المنكوبة بالفيضانات في البقاع والشمال؟ لماذا لا تهبّ الدولة لإغاثة المنكوب والمناطق المنكوبة، أينما كان؟ أليس المنكوبون هم بأمسّ الحاجة، أن يروا الدولة، تقف إلى جانبهم، حتى يقفوا إلى جانب الدولة، ويبتعدوا عن الزعار و القوى الشاردة على الطرقات؟
5- وهناك ظاهرة الدراجات النارية، التي تجتاح الشوارع، بلا قانون، فلا تلتزم بالسلامة العامة: لا بالقيادة ولا بالإتجاهات، ولا بالسواقين، ولا بالحمولات. فيصاب المواطنون بها ولو كانوا على الأرصفة، فكيف بالطرقات.
6- ظاهرة تزوير الشهادات، وتزوير المعاملات، وتزوير المدفوعات، وتزوير الرسوم، إنما هي من أخطر الظواهر التي تجتاح البلاد. فمتى نرى المزوّرين في السجون؟ ومتى ينتهي عصر «القبض» وكذلك عصر القبضايات؟
7- الرقابة على التعاونيات الإستهلاكية: فاللحوم الفاسدة والبضائع المنتهية الصلاحية، والغش والتلاعب بالمواد، خصوصا في «موسم الزيت». فكيف يطمئن المواطن إلى ما يحتاجه من مشتريات، في غياب الرقابة على المواد الإستهلاكية، التي تتسبب بالسرطانيات؟
8- الرقابة على الإستشفاء والمستشفيات، وتأمين الأسرّة للطوارئ، ومنع إبتزاز المرضى وأهلهم، إنما ذلك في سلّم الأولويات. فإلى متى يظل المواطنون يدفعون فاتورتين، للطبيب وللسرير وللدواء؟ إلى متى يظل المريض ينتظر أوجاعه وموته، بلا مساعدة وبلا إستشفاء، والمستشفيات الحكومية، غير قادرة على الإستيعاب؟
9- متى تقف الدولة إلى جانب المزارعين: تمنع التهريب، وتؤمّن التصدير، وتحمي الأسواق؟ متى تقف إلى جانب الصيادين، وتمنع تهريب صناديق الأسماك الفاسدة وغير الأسماك الفاسدة، تمنع اللحوم الفاسدة، من مواشٍ ودجاج، وتحول دون التهريب والتهرّب، بحرا وبرا على الحدود؟
10- المطالب كثيرة، وعمر الحكومة قصير. والمواطنون يعرفون ذلك. وكفى بعد ذلك الاحتجاج بالسابق وبسوابقهم. أليس نحن أمام مشروع الإصلاح، فإذا ما بدأنا بالسلاح، فلنبادر أيضا إلى الإصلاح.
مربط الفرس حقا، هو أن يشعر المواطنون أن الحكومة تقف إلى جانبهم، وأنها آخذة بالضرب بيد من حديد، تقرع الجرس لأصحاب السوابق، وأصحاب الغشوش، وتضرب على يد الفاسدين، حتى ولو كانوا من أهل النفوذ.
* أستاذ في الجامعة اللبنانية