ليس محسوماً بعد، ما إذا كان المجلس النيابي الحالي سيعمل على مناقشة مشروع قانون الفجوة المالية، بعد إقراره من جانب الحكومة، أم أنه سيصار إلى ترحيل المشروع إلى مجلس النواب المنتخب، في حال جرت الانتخابات النيابية في مواعيدها الدستورية، أو تأجلت . لكن الأمر الثابت أن مجلس النواب سيعمل على تشريح المشروع قبل الموافقة عليه في الهيئة العامة، بالنظر إلى الملاحظات الكثيرة التي طرحت بشأنه، سيما في ما يتعلق بموضوع توزيع الخسائر، باعتبار أن هذا المشروع لم يرض المودعين ولا المصارف، في ظل توجه الطرفين للتصعيد في المرحلة المقبلة، بعدما أبرز المشروع أن الدولة أعفت نفسها من تحمل جزء من الخسائر المالية . ووفقاً لقراءة مصرفية، فإن هذا المشروع سيناقش في اللجان المشتركة وسيخضع لدراسة مستفيضة، بعد الاستعانة بخبراء لسماع رأيهم . وهذا يعني أن هناك مساراً طويلاً للمشروع داخل البرلمان . واستناداً إلى آراء مصرفية، فإن نص مشروع قانون الفجوة المالية لن يمر كما أرسلته الحكومة في مجلس النواب، وإنما بالتأكيد سيخضع لتعديلات جذرية، سيما وأنه لاقى اعتراضات داخل مجلس الوزراء من الكتل النيابية الكبيرة في مجلس الوزراء، كالقوات اللبنانية وحركة "أمل" و"الكتائب" . وهذا ما سيجعل المشروع عرضة للتعديل في المجلس النيابي .
وإذا كانت الحكومة قد تعرضت لضغوطات خارجية لإقرار مشروع قانون الفجوة المالية، على ما لمح إليه الرئيس نواف سلام، فإن صندوق النقد والبنك الدولي، كما المؤسسات المالية الأخرى تعتبر هذا القانون، خطوة أساسية لتخفيض حجم الاقتصاد النقدي والتعاملات النقدية، وإعادة تمويل الاقتصاد من خلال القطاع المصرفي، بدل أن يكون من خلال الاقتصاد الموازي أو اقتصاد الظل، وإن كان لهذه المؤسسات ملاحظات على المشروع . وبانتظار أن يضع مجلس النواب يده على القانون، إلا أن الأخير وفق القراءة المصرفية، لا يوصل إلى المبتغى المنشود، باعتبار أن أحداً لن يجد ثمانين مليار دولار لتوزيعها على المودعين في شهر أو شهرين أو سنة. فهذا المشروع كتب دون أرقام، أي دون أن يكون هناك أرقام حديثة عن توزيع الودائع . فرئيس الحكومة قال أن خمسة وثمانين بالمائة من المودعين سيحصلون على مائة ألف دولار في غضون أربع سنوات . لكن هناك تساؤلات حول الأرقام. وبالتالي فإن الأرقام التي ذكرها رئيس الحكومة، هي أرقام العام 2022، عندما كانوا يقولون أن خمسة وثمانين بالمائة من عدد الحسابات المصرفية هي أقل من مائة ألف دولار، وليس عدد المودعين . باعتبار أن هناك عدداً كبيراً من المودعين وزعوا ودائعهم في مصارف عديدة ، لتجنب "هيركات" على المبالغ التي تتخطى المائة ألف دولار. وليس دقيقاً أن خمسة وثمانين بالمائة من المودعين سيحصلون على مائة ألف دولار، أو أن خمسة وثمانين بالمائة من المودعين لهم ودائع أقل من مائة ألف دولار . وهذا يفترض وجود أرقام محدثة لتوزيع الودائع، لمعرفة هذه النسبة جيداً .
وترسم القراءة المصرفية تساؤلات عن مدى القدرة على الالتزام بما جاء في نص المشروع، من حيث أن المبالغ النقدية التي يفترض أن تدفع على مدى أربع سنوات لغاية المائة ألف، تبلغ تقريباً عشرين مليار دولار . وهذا المبلغ ملقى على عاتق المصارف التجارية التي لن يكون في مقدورها تحمل هذه المسؤولية لوحدها . لأنه لو قامت هذه المصارف ببيع كل أصولها في الخارج لتحصيل سيولة بالعملات الأجنبية، وكذلك بيع محفظة اليورو بوند في الخارج، واستخدام السيولة الجاهزة الموجودة لديها في المصارف المراسلة في الخارج، فلن تجمع أكثر من ستة أو سبعة مليارات دولار . عدا عن أن مصرف لبنان لديه ما يقارب 12 مليار دولار كإحتياطي بالعملات الأجنبية . ولكن هذا المبلغ ليس كله للمصرف المركزي . فهناك على الأقل ثمانية مليارات دولار احتياطي إلزامي عائدة للمصارف . والسؤال هل سيسمح مصرف لبنان للمصارف باستخدام ال8 مليارات دولار؟ أو سيعتبرها حصته في المساهمة، وهي ليست كذلك؟ . كما أن هناك أمراً هاماً، وهو غياب كلي لمساهمة الدولة الفعلية . فالمادة 113 من قانون النقد والتسليف التي تقول إنه في حال حقق المصرف المركزي خسائر، فإن الخزينة مسؤولة عن تغطية هذه الخسائر بالكامل . بينما ما ورد في مشروع قانون الفجوة المالية، يقول بأنه إذا كانت هناك حاجة، فإن مجلس الوزراء يدرس إمكانية أن تغطي الدولة رسملة مصرف لبنان . وهذا يؤكد أنه ليس هناك أي مساهمة للدولة في هذا الموضوع . وهذا من شأنه أن يضرب الثقة . سيما وأن هدف هذا المشروع كان استعادة الثقة، بحيث أنه يشكل صدمة إيجابية لاستعادة الثقة .
واستناداً إلى ما تقوله أوساط نيابية ل"اللواء، فإن مشروع قانون الفجوة المالية سيكون عرضة لتغييرات جذرية في مضمونه قبل الموافقة عليه، دون استبعاد إعادته إلى مجلس الوزراء لإعادة درسه، بالنظر إلى ما تضمنه من نصوص تثار بشأنها العديد من الأسئلة . وهذا سيدفع المجلس النيابي إلى تشريح المشروع بكافة تفاصيله، من أجل تأمين استعادة أموال المودعين بالدرجة الأولى، والعمل على توزيع الخسائر بشكل منصف، دون تحميل المودعين المزيد من الخسائر . وتشير إلى أن هناك إجماعاً نيابياً على ضرورة حفظ حقوق المودعين بالدرجة الأولى . وإن كان لبنان يعتبر أن إنجاز هذا المشروع يعتبر خطوة أساسية على صعيد استعادة مكانة لبنان الاقتصادية والمالية في المنطقة والعالم . وأكدت أنه ستتم الاستعانة بآراء العديد من الخبراء والمصرفيين ورجال القانون خلال مناقشة المشروع في المجلس النيابي، وتالياً إشباعه بحثاً قبل الموافقة النهائية عليه .