في مطلع العام 2024 حصل تطور لافت على صعيد الحكم، ظن الشعب اللبناني ان بإمكانه أخيراً تنفس الصعداء والخروج من دوامة العنف والفساد، بحيث يتم تطهير الدولة من جميع الآفات والمعوّقات، فتستعيد سيادتها ومؤسساتها.
منذ ما يقرب العام، لم يطرأ اي تحسن على حياة المواطن وحاجاته الاساسية. ما زلنا ندور على أنفسنا في دائرة مغلقة، ولم يحصل أي تغيير نوعي، فيما تستمر اسرائيل باعتداءاتها.
فما الذي يسمح لهذه الطبقة السياسية اللبنانية بالاستمرار بقضها وقضيضها؟ وهل نأمل بتغير ما في الانتخابات القادمة، مع نفس قانون الاقتراع ونفس الشروط السابقة؟
آليات إعادة إنتاج السلطة
البنية العميقة للنظام
منذ نهاية الحرب الأهلية، تشكّلت الطبقة السياسية اللبنانية كتحالف بين: المافيا الاقتصادية–المالية التي سيطرت على الدولة ومؤسساتها، مع الميليشيا المسلحة التي حافظت على موقعها كقوة أمر واقع بحجة المقاومة. هذا التحالف غير المعلن جعل النظام يقوم على تبادل الخدمات: المافيا تؤمّن الغطاء السياسي والمالي للسلاح، والسلاح يحمي مصالح المافيا من أي محاسبة أو مساءلة.
هكذا تَحوّل لبنان إلى نظام حماية متبادلة لا يخضع فيه أحد للمحاسبة.
أما العوامل البنيوية التي تضمن بقاء المنظومة، نجد على رأسها: الطائفية السياسية كمظلّة شرعية. فالانقسام الطائفي ليس مجرد صدفة تاريخية، بل تحولت أداة متقنة لإدارة الخوف والولاء.
كل زعيم طائفي يقدم نفسه كـ"حامٍ للجماعة" في مواجهة الآخرين المتوثبين لالتهامه، فيتحوّل الخضوع للزعيم إلى نوع من "الحماية الوجودية". بهذا، يصبح إسقاط الزعيم تهديداً للطائفة نفسها، لا للنظام فقط.
الركن الآخر للمنظومة الزبائنية كبديل عن الدولة: حيث تُوزَّع الخدمات الأساسية (الطبابة، التعليم، الوظائف) عبر مكاتب الزعماء بدل المؤسسات الرسمية.
هذه الشبكة الزبائنية ربطت المواطنين شخصياً بالزعيم لا بالقانون.
بذلك، يُفرّغ مفهوم الدولة من مضمونه، وتُعاد هندسة الولاء السياسي حول الشخص والطائفة.
ناهيك عن الارهاب المعنوي والعنف الرمزي، فكل معارضة تُتهم بالخيانة أو "العمالة للخارج"، ما يخلق مناخاً من الخوف يمنع النقاش العام.
هذا السلاح الاتهامي جعل من الممكن تحويل أي نقد إلى تهديد للأمن القومي أو الطائفي. ولا تزال المضبطة تعمل في نفس الاتجاه ويومياً.
هناك دور السلطة الرابعة، فالتحكم بالاعلام مزدوج، إمساك بالإعلام التقليدي المملوك إما مباشرة من أحزاب السلطة أو من رجال أعمال مرتبطين بها. أيضاً تمت محاصرة الإعلام الرقمي، بطرق غير مباشرة: عبر حملات تشويه، أو شراء المؤثرين، أو زرع سرديات مضادة، او الجيوش الالكترونية.
بهذا، تُحاصر الحقيقة داخل ضباب كثيف من الدعاية والتضليل.
يبقى التواطؤ الاقتصادي– المالي، عبر النظام المصرفي والسياسي المتداخل والذي وُجد ليخدم مصالح النخبة نفسها.
الفساد لم يأت عرضاً، إنه منهج حكم: آلية لضمان الولاء والتبعية، بحيث يصبح كل من استفاد من النظام متورطاً فيه، وبالتالي غير قادر على الانفصال عنه.
الأمر المهم الأخير، وجود عوامل خارجية داعمة للمنظومة، التي ترتهن قواها الداخلية للمحاور الاقليمية.
كل طرف داخلي يستمد قوته من محور خارجي (إيراني، خليجي، غربي)، ما يجعل أي تغيير داخلي مشروطاً بموافقة الخارج.
بهذا، تتحول السيادة إلى ورقة مساومة، ويصبح لبنان ساحة لا دولة.
كل ذلك كان في ظل لامبالاة دولية. فالمجتمع الدولي، رغم خطابه الإصلاحي، يفضّل استقرار الفساد على فوضى التغيير. طالما يمكن ضبط الحدود ومنع الانفجار الأمني، فإن القوى الدولية تركت المنظومة اللبنانية تدير الانهيار كما تشاء.
لكن هذا العامل بدأ بالتغيّر، دون ان تصدّق المنظومة ذلك بعد.
يبرز هنا سؤال آخر: ما الذي يكبّل الشعب اللبناني ويلجمه عن الاعتراض؟
انها العوامل النفسية–الاجتماعية:
فعقدة الحرب والخوف من الفوضى، التي تسكن الذاكرة الجماعية للحرب الأهلية، لا تزال حيّة في النفوس. الناس يسكتون على نظام فاسد "مستقر" خوفا من مغامرة قد تُعيدهم إلى الحرب.
هذه العقدة تمنح الطبقة السياسية تفويضاً غير مباشر بالاستمرار.
كل هذا سمح بتطبيع الفساد: عبر عقود من التدهور، أصبح الفساد جزءاً من "الاعتياد الاجتماعي".
حتى الفقراء باتوا يرونه كوسيلة ضرورية للعيش لا كجريمة أخلاقية.
وهذا أخطر ما في الأمر: عندما يصبح الانحراف قاعدة لا استثناء.
على مرّ الزمن تمرّس الممسكون بالسلطة بآليات التجديد الذاتي للنظام:
عبر إعادة تدوير الوجوه: فتُستبدل الأسماء داخل الأحزاب نفسها أو بين الأحزاب، لكن المنظومة تبقى.
يظهر الإصلاح شكلياً عبر تغيير الأفراد لا القواعد.
يُخترق المجتمع المدني: فتموَّل منظمات أو مبادرات ظاهرها مدني لكن هدفها احتواء الغضب الشعبي وتفريغه في مشاريع محدودة الأثر.
تُنتج سرديات مضادة: كلما ظهرت حركة احتجاجية، يُعاد تعريفها على أنها "مؤامرة"، فينقسم الناس مجدداً.
التحكم بالإيقاع الاقتصادي: تُفتعل أزمات، ثم تُقدَّم حلول جزئية لامتصاص الغضب وإعادة فرض الولاء.
فهل يمكن كسر الحلقة؟
بقاء الطبقة السياسية لا يعني استحالة التغيير، لكنه يعني أن أي عملية تغيير يجب أن:
تستهدف البنية لا الأشخاص،
تُعدّ بدائل واقعية قبل لحظة الانهيار الكامل،
وتستغل التحولات الإقليمية والدولية بدل أن تُفاجأ بها.
التحالف بين "المافيا والسلاح" ليس قدراً، لأنه قائم على مصالح، لا على عقيدة.
الآن تبدلت موازين القوى، الاقليمية والدولية، وهنا تكمن الفرصة التاريخية للبنان إن وُجدت قوى قادرة على استثمارها!!!
لكن أين هي؟