منذ أن أُعلن عن قمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو، حتى شخصت الأنظار في الشرق الأوسط والعالمين العربي والإسلامي، فضلاً عن عواصم كبرى، معنية بما يُخطَّط للمنطقة، وتالياً لمشاريع النفط والغاز، وتقاسم ثروات الدول الفقيرة، والاستعداد لاحقاً في إدارة العالم ككل، في ظل إغراق روسيا الاتحادية،ما بعد الشيوعية، في أوكرانيا، والصين الشعبية، أو «التنين الصيني» في وحول مناطق الهند الصينية، وتايوان، وصولاً الى ضفاف حوض الكاريبي وأميركا اللاتينية، بعمقها اللاتيني والكاثوليكي، والتاريخي، بدءاً من فنزويلا، البوليفارية..
يتصرَّف ترامب، وكأنه صاحب الكلمة العليا، ليس في البيت الأبيض، أو أميركا الشمالية بل على عموم الدول الصغرى والكبرى على سطح الكرة الارضية، وصولاً الى القطبين الشمالي والجنوبي..
ويتصرَّف نتنياهو وليس بوصفه ملك إسرائيل، أو أحد أنبياء القرن الواحد والعشرين بالمفهوم العبري، والتوراتي، وكأنه أحد أنبياء العهد القديم، والمرتبط «بصلة ما بالربّ» بلغة توراتية» فمع الفلسطينيين «عداوة أبدية» (حزقيال 35 و36 /العهد القديم) ومع «الأمم الأخرى، على ساحل البحر تأديب وانتقام ونقمة، وحصة لبنان تمتد من صور الى صدوان، من أيام نبوخذ نصر الى أيامنا هذه..
تسكن الروح التوراتية في جسد نتنياهو، وفي عقله، وهو يفاوض نتنياهو، في قمة خامسة، من موقع المزاحمة، وربما الكراهية ايضاً، في ظل اتساع رقعة الخلافات بين الرجلين، حول مختلف القضايا من إقليم أرض الصومال، الذي اعترفت به حكومة نتنياهو، كأول دولة، بذريعة الاتفاقيات الابراهيمية، التي تأتي بالسلام بين القوة اليهودية والصهيونية، برعاية الولايات المتحدة، وعلى رأسها اليوم ترامب، رجل المقاولات والصفقات، الباحث عن التفوُّق وقيادة العالم.
تختصر قضية غزة، مجمل المصير الفلسطيني، فترامب صاحب خطة السلام في القطاع، لا يختلف كثيراً مع نتنياهو على تغيير هوية أرض المقاومة الفلسطينية، من حماس الى باقي الفصائل من «الجهاد الاسلامي»، الى الجبهة الشعبية، وألوية الناصر صلاح الدين، يتفق ترامب مع نتنياهو على تجريد «حماس» كواحدة من أكبر فصائل المقاومة الاسلامية المسلحة في الشرق الأوسط، من السلاح، وصولاً ربما الى السلاح الفردي أو الخفيف وحتى المتوسط. وإزاحة الحركة عن ادارة القطاع. لكن الشخصين يختلفان حول اسلوب التعامل مع حماس، وعلى ما يسمى بالمرحلة الثانية، التي تقضي بالانسحاب الاسرائيلي، وادخال مزيد من المساعدات الى السكان الصامدين هناك، بوجه البرد والمياه الجارفة والسيول، والعالم يتفرج على ما يمكن وصفه «بمأساة الشتاء».
والسؤال: هل ينصاع «المتغطرس» الصهيوني، لطلب «الإمبراطور الكوني: أو يمشي في مسار المرحلة رقم 2 من اتفاق انهاء الحرب في غزة، أم يحضّر لسنة رابعة، حرب على القطاع وأهله، بالذرائع المعروفة، من أن «حماس» تواصل تصنيع الأسلحة، وإعادة التدريب، على الرغم من الملاحقات والاغتيالات، وتوسيع الخط الأصفر، الفاصل بين تواجد جيش الاحتلال الاسرائيلي وآلياته ودباباته وجنوده، والارض الفلسطينية، حيث السلطة هناك ما تزال كحركة المقاومة الاسلامية «حماس» التي نزفت ما فيه الكفاية، تماماً كما حدث لباقي حركات المقاومة الاخرى، لا سيما في لبنان..
على طاولة ترامب أن نتنياهو يحمل معه ذرائع المماطلة، في حين أن رجل البيت الابيض الاول يريد رؤية برنامجه «لشروق الشمس» يسطع على أرض القطاع المدمر.. وتتصل قضية الضفة الغربية في غزة فماذا يمكن أن يقدم ترامب للفلسطينيين والعرب، على هذا الصعيد؟..
تحتل سوريا نقطة محورية في لقاء البيت الابيض اليوم.. فإسرائيل قبل القمة، وربما بعدها، ستؤكد على عدم وقف تدخلاتها العسكرية في جنوب سوريا، وفي القنيطرة والجولان.. لمنع أي مستقبل لمقاومة اسلامية ضد الاحتلال بعد أن أعلنت صراحة أنها (أي اسرائيل) هي الجهة الاقليمية الراعية للسلطة القائمة في السويداء، بادارة الشيخ الدرزي المعمم الهجري،المناوىء لما يسميه سلطة دمشق، ناهيك عن الوضع غير المستقر بين حكومة أحمد الشرع، وقيادة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في الشمال والمشرق..
قد يكون البحث عن اتفاق أمني أو سياسي بين دمشق وتل أبيب، هو ما سيقترحه ترامب على نتنياهو من زاوية أن سوريا الجديدة، حليف جدّي للولايات المتحدة الاميركية، بعد إخراج القوات الروسية، والايرانيين وعناصر المحور، الذين كانوا متواجدين لسنوات على ارض الشام والمحافظات السورية.
بين الثقة الاميركية بنظام الشرع، وموثوقيته لمحاربة «ارهاب داعش» واللاثقة الاسرائيلية بأي نظام، يستمد ممارساته من الاسلام، لا سيما الحركات «الجهادية» المسلحة والمدربة والمقاتلة، منذ سنوات على جهات متعددة، تشكل سوريا نقطة خلاف جدّي بين الحليفين، اللذين يجتمعان اليوم ليس من أجل يالطا «أميركية - اسرائيلية»، بل من أجل توزيع الارباح في معركة بدأت ولمَّا تنتهِ، ولا أحد في الافق يعلم عن مصيرها المفتوح أي كلمة فصل، وبأي اتجاه..
ليس بإمكان نتنياهو المطالبة بنزع سلاح الادارة السورية الجديدة، بل يتمسك بتوصيات وزير دفاعه كاتس بعدم الانسحاب من الجولان، ولا من الارض التي احتلتها بعد 7 ت1 2023، غداه الدخول الى ما وراء خط فك الارتباط عام 1974..
من سوريا الى لبنان، يبدو المشهد أكثر قتامة.. فنتنياهو توعد لبنان قبل سفره الى واشنطن.. فهو يريد توجيه ضربات متواصلة ضد حزب الله، وربما ضد ايران ايضاً، وهو ينتظر ضوءاً أخضر من ترامب للتصعيد ضد لبنان، لا يقتصر على مناطق بعينها، بل يشبه غزو لبنان عام 1982، لإخراج منظمة التحرير ليس من الجنوب، بل من لبنان ككل، مما ينعكس سلباً على الاستقرار الهش في البلد الذي يضع معظم بيضاته في السلة الاميركية، لتنجو من «الوبال الاسرائيلي» وشروره على أمنه واستقراره..
هذا على صعيد المشهد العربي، في صراعات الشرق الاوسط، أما حول الضربات او الحرب القادمة مع ايران.. فللمسألة حساب أكثر تعقيداً، لجهة القدرة على الحسم، أو العودة الى حرب غير واضحة المسارات والنتائج..
وبين إلحاحيةالحرب أكد مجدداً على ايران بالذرائع والحجج المعروفة، وتطويع باقي فصائل المحور المسلحة، من «حماس» الى «حزب الله» بتجريدها من السلاح، وعزلها، في تصفية حساب لا تجعل من الاسلام الجهادي (السني والشيعي) قادراً على النهوض مجدداً، لحرب تشبه «طوفان الاقصى» أو ما شاكلها.
قمة اليوم في البيت الابيض حاسمة ومصيرية، ليس على مستوى حماية الحلف البروتستنتي - اليهودي» حول العالم، بل لجهة توزيع أنصبة الارباح، أو البحث عن مغامرات جديدة، لا يبدو أن ثمة تفاهماً عليها، في ظل كراهية أميركية لا تخفى على نتنياهو وفريقه الدموي!