بيروت - لبنان

اخر الأخبار

14 آذار 2026 12:10ص من الذي يحكم إيران اليوم؟

حجم الخط
جيري ماهر

مع تسارع الأحداث داخل إيران، يفرض سؤال نفسه بقوة في النقاشات السياسية والإعلامية: من الذي يحكم إيران فعلياً اليوم؟
لم يعد الأمر مجرد تحليل نظري أو جدل بين المراقبين. فالتقارير المتلاحقة والأنباء المتضاربة تعكس حالة غموض غير مسبوقة داخل هرم السلطة في طهران، وكأن صورة الحكم هناك لم تعد واضحة حتى لمن يتابعها عن قُرب.
في الأيام الأخيرة، عاد اسم مجتبى خامنئي إلى الواجهة باعتباره أحد أبرز المرشحين لخلافة والده، المرشد الأعلى. لكن ما أثار الانتباه أكثر كان رواية منسوبة إلى بيان مكتوب باسمه، يقول فيه إنه علم بتعيينه عبر التلفزيون الرسمي الإيراني.
هذه الجملة القصيرة وحدها كفيلة بإثارة كثير من الأسئلة. كيف يمكن لشخص يُفترض أنه يتولى أعلى منصب في الجمهورية الإسلامية أن يكتشف ذلك عبر شاشة التلفزيون؟ ومن هي الجهة التي اتخذت القرار أساساً؟
أسئلة تبدو بسيطة، لكنها تكشف حجم الغموض الذي يحيط بآلية اتخاذ القرار داخل النظام الإيراني.
ويزداد هذا الغموض مع تقارير إعلامية تحدثت عن وضع صحي حسّاس لمجتبى خامنئي. بعض المصادر أشارت إلى أنه تعرّض لغارة أدخلته في غيبوبة وتسببت ببتر قدمه. بطبيعة الحال، لا يمكن تأكيد صحة هذه المعلومات أو تبنّيها بشكل قاطع، لكن تداولها في وسائل إعلام معروفة، من بينها صحيفة «ديلي ميل» البريطانية، وسّع دائرة الشكوك والتساؤلات حول حقيقة ما يجري خلف الكواليس في طهران.
وفي تطوّر آخر يعكس حجم الاهتمام الدولي بالملف الإيراني، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تتعلق بمجتبى خامنئي وعلي لاريجاني. خطوة كهذه تشير بوضوح إلى أن ما يجري داخل إيران لم يعد شأناً داخلياً فقط، بل أصبح جزءاً من صراع سياسي وأمني أوسع يتجاوز حدود البلاد.
كل هذه المؤشرات تقود إلى احتمال مقلق: ربما لم يعد هناك مركز قرار واضح في إيران اليوم.
فالمشهد الداخلي يبدو أقرب إلى سلطة موزعة بين ما تبقّى من مؤسسات النظام، أكثر مما هو نظام متماسك يقوده رأس واحد. جزء من القرار ما زال بيد بعض أجنحة الحرس الثوري، وجزء آخر لدى قيادات في الجيش النظامي، بينما يحتفظ رجال الدين والساسة القدامى بنفوذهم داخل مؤسسات الدولة.
هذه التركيبة المعقّدة تخلق بطبيعتها حالة من ضعف التنسيق، وربما التنافس، بين مراكز القوة المختلفة.
ويعزز هذا الانطباع نمط التحركات العسكرية والأمنية المنسوبة لإيران في الفترة الأخيرة. فبدلاً من استراتيجية واضحة، يبدو المشهد وكأنه سلسلة قرارات متناقضة.
مرة يتم استهداف تركيا، ومرة أخرى تطال الهجمات مصافي النفط في عُمان - وهي من أقرب الحلفاء الإقليميين لإيران - وفي أوقات أخرى تتجه الضربات نحو أذربيجان.
هذا التباين لا يعكس فقط توتراً إقليمياً، بل يوحي أيضاً بوجود تشتت واضح في القرار داخل النظام الإيراني نفسه.
وعندما تتعدد مراكز القرار وتضعف القيادة المركزية، يصبح من الصعب التمييز بين الاستراتيجية والفوضى. وفي الحالة الإيرانية اليوم، يبدو أن النظام يمرّ بمرحلة انتقالية غير معلنة، حيث تحاول بقايا مؤسساته إدارة ما تبقّى من السلطة.
لهذا يبقى السؤال مطروحاً، وربما أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: من الذي يحكم إيران فعلاً اليوم؟
هل هو خليفة يُعلن عنه عبر التلفزيون؟
أم مجموعة مؤسسات متنافسة تحاول ملء الفراغ؟
أم أن الجمهورية الإسلامية دخلت بالفعل مرحلة ما بعد القيادة الواحدة، حيث تقودها بقايا نظام يتفكك ببطء؟
في كل الأحوال، ما يجري داخل إيران يوحي بأن نهاية هذا النظام قد تكون أقرب مما كان يُعتقد. فالنظام الذي يواجه اقتصاداً منهكاً، وانقسامات داخلية عميقة، وضغطاً دولياً متزايداً، يصعب عليه الاستمرار طويلاً بالشكل الذي عرفناه خلال العقود الماضية.
كما يبدو من الصعب أن يتمكن نظام في هذه الحالة من كبح إرادة التغيير المتنامية داخل المجتمع الإيراني، حيث تتسع دائرة المطالبين بإصلاحات جذرية، بل وحتى بتغيير كامل في بنية الحكم. وفي الوقت نفسه، من غير الواقعي أن ينجح في مواجهة القوة العسكرية الضخمة للولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما إذا ما تحوّلت التوترات إلى مواجهة مباشرة واسعة.
لهذا، لم يعد السؤال فقط من يحكم إيران اليوم، بل سؤال آخر يفرض نفسه بقوة: إلى متى يستطيع هذا النظام أن يستمر بالشكل نفسه؟ ربما تكون الإجابة أقرب مما يتوقع كثيرون.