د. جيرار ديب
دعا وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو الأربعاء 13 تشرين الثاني، إلى تحرك دولي عاجل لوقف إمدادات السلاح إلى مليشيات الدعم السريع، محمّلاً إياها مسؤولية التصعيد الدموي في البلاد.
وقال روبيو للصحافيين عقب اجتماع لوزراء خارجية الدول السبع في كندا إن «ما يحدث هناك أمر مرعب»، وأضاف «أعتقد أنه يجب القيام بشيء ما لقطع امدادات الأسلحة والدعم الذي تتلقّاه قوات الدعم السريع من تواصل تحقيقها تقدماً».
هذا وبدأت الحرب الأهلية في السودان في الخامس عشر من نيسان 2023، بين القوات المسلحة السودانية التي يقودها الفريق أول عبد الفتاح البرهان وبين قوات الدعم السريع تحت قيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). هي حرب بين السودانيين على السلطة ولكن سرعان ما توسّعت وتداخلت التعقيدات فيها مع تورّط الكثير من الدول العربية والغربية في هذه الحرب، كلّ بحسب مصالحه.
في الشكل والمضمون تعيش السودان أفظع كارثة إنسانية في عصرنا الحالي، ورغم الوساطات التركية والقطرية، والدعوة الأميركية التي أطلقها مبعوث الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لشؤون إفريقيا، مسعد بولس، لهدنة إنسانية عاجلة إلّا أنّ الحرب لم تزل مستمرة والأزمة الإنسانية تزداد تفاقما.
لا نقاش في أهمية فرض الهدنة رغم أن المطلب هو وقف الحرب نهائياً، فما يتحمّله الشعب السوداني غير مقبول إنسانياً وأخلاقياً، لكن التوقف عند ما قاله روبيو مثير للاهتمام خصوصاً في التصويب على قوات الدعم السريع ومن يموّلها، وهنا السؤال إلى من توجه الأميركي في هذا الاتهام؟
كما بات معلوماً، إن الحرب السودانية سلكت على طريق «اللبننة»، التي دامت 15 سنة وكانت حرب الآخرين على أرض لبنان. وهذا ما يبدو عليه السودان من تنافس داخلي على السلطة وبسط النفوذ، ومن دعم خارجي لتحقيق المصالح والسيطرة على ثروات ومعادن هذا البلد إضافة إلى صراع على الموقع الاستراتيجي وإطلالته على البحر الأحمر حيث حركة عبور أكثر من 20% من ناقلات النفط في العالم.
قلب الأميركي ليس على عذابات السودانيين، فالمعاناة هناك تمتد لعشرات السنوات، ولكن على ما يبدو أتت دعوة روبيو لتحمل رسالة مزدوجة ليس الى قوات الدعم السريع، بل إلى داعميه، تحديداً دولة الإمارات العربية وروسيا الاتحادية.
ليس من باب الصدفة أن يأتي تصريح روبيو في الوقت التي تقدمت فيه روسيا إلى مجلس الأمن الدولي، بمخطط معارض لخطة ترامب في قطاع غزة، تحديداً في بند تشكيل مجلس أعلى للسلام برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
إن «شدّ الحبال» بين روسيا والولايات المتحدة لم يزل يأخذ فصولاً، على اعتبار أن فشل ترامب في وقف الحرب في أوكرانيا اعتبره الروسي تحدياً مباشراً لموسكو. على اعتبار استمرار الحرب مع فرض المزيد من العقوبات، إضافة إلى مسعى أميركي لتطويق روسيا وعزلها دولياً عبر استهداف حلفائها الدوليين، بات خطراً على أمن روسيا القومي. هذا ما دفع بالوزير روبيو إلى إلقاء اللوم على قوات الدعم السريع، تحديداً بعد إجرامها في منطقة الفاشر، في محاولة لاستهداف وتشويه صورة موسكو دولياً، وفي إطار تضييق الخناق على مصالحها في القارة السمراء بدءاً من السودان، بعد التنافس الواضح بينهما في أكثر من دولة إفريقية.
ليس الروسي فقط المستهدف بل التعاون الإماراتي الروسي في تقديم الدعم لقوات حميدتي. فالأميركي في منطقة الخليج العربي يعيد ترتيب أوراقه التي كاد أن يخسرها مع إدارة الرئيس الأسبق، جو بايدن، والتي دفعت بالكثير من هذه الدول لتشكيل علاقات جديدة تحديداً مع الصين وروسيا. لهذا بعد الشراكات الأمنية مع بعض هذه الدول، وأخرها ما يتمّ الاتفاق عليه بين المملكة العربية والولايات المتحدة، تبقى دولة الإمارات العربية تغرد خارج السرب الأميركي.
إن التصويب على قوات الدعم السريع وجد فيه الأميركي الطريق الأسهل لإيصال الرسالة، التي تلقّفها، على ما يبدو الإماراتي، بعدما ذكرت صحيفة «الغارديان» البريطانية، إنه للمرة الأولى تعترف دولة الإمارات علناً بأخطاء في سياساتها تجاه السودان مع تضرر سمعتها الدولية نتيجة دعمها لقوات الدعم السريع. إذ قال أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي الأبرز في الدولة، من البحرين إن الإمارات ودول أخرى «أخطأت حين لم تفرض عقوبات على منفذي انقلاب 2021»، في إشارة واضحة على رفض السياسة الأميركية يوم عيّنت حكومة ديمقراطية مدنية لإدارة البلاد بعد الانقلاب على البشير.
قد ينظر البعض إلى هذا الاعتراف الإمارات على إنه العودة إلى التحالف الأميركي بعد شبه قطيعة دامت لسنوات. هذا ما يؤكد على إن الحرب في السودان ستسلك مسار التسوية لكن ليس لصالح البرهان، بل في إعادة إنعاش الحكومة المدنية لفرض الديمقراطية التي تسعى إليها إدارة ترامب. في المنظور الأميركي، يكون خطاب روبيو قد أعاد اللحمة مع الإمارات من جهة، وعرقلة إلى حد ما جهود موسكو للتوسّع في القارة السمراء، وأعاد للسودان الحكومة المدنية ذات النفس الديمقراطي، ولكن ماذا عن المنظور المعارض هل سيستسلم؟