د. روجيه الشويري*
إذا صحّت المعلومات المتداولة عن قيام حركة أمل بمنع حزب الله من إقامة أنشطة في مناطق ساحل الزهراني وشمال إقليم التفاح بذريعة تجنّب تعريض هذه المناطق للاستهداف، فإن الأمر يتجاوز بكثير كونه إجراءً أمنياً موضعياً أو قراراً تنظيمياً عابراً. نحن أمام مؤشر سياسي بالغ الخطورة قد يكشف عن تصدّعات بدأت تظهر داخل البنية التي شكّلت طوال العقود الماضية العمود الفقري للنفوذ الشيعي في لبنان.
خطورة هذه المعطيات لا تكمن فقط في مضمونها، بل في توقيتها أيضاً. فلبنان يقف اليوم على حافة مرحلة شديدة الحساسية، في ظل تحوّلات إقليمية كبرى وضغوط دولية غير مسبوقة وإعادة رسم لموازين القوى في المنطقة. وفي مثل هذه الظروف، تصبح أي اهتزازات داخلية في البيئات السياسية والطائفية المؤثرة عاملاً قادراً على تغيير المشهد اللبناني بأكمله.
ما يجري يعيد إلى الأذهان صفحات قاتمة من التاريخ اللبناني، حين تحوّلت الانقسامات الداخلية إلى المدخل الرئيسي لإسقاط موازين قوى كانت تبدو راسخة وغير قابلة للاهتزاز. وقبل الحرب المسيحية – المسيحية عام 1990، لم يكن كثيرون يتصورون أن الصراعات داخل البيت الواحد ستنتهي بتفكيك القوة السياسية التي حكمت لبنان لعقود تحت عنوان «المارونية السياسية». يومها لم تأتِ الضربة القاضية من الخصوم التقليديين، بل من التناحر الداخلي الذي استنزف القوة وأفقدها قدرتها على المواجهة والتأثير.
اليوم يفرض الواقع نفسه سؤالاً لا يمكن تجاهله: هل بدأت الساحة الشيعية تدخل المسار ذاته؟ وهل نشهد أولى علامات الصراع على مرحلة ما بعد التوازنات التي حكمت لبنان منذ انتهاء الحرب الأهلية؟ وإذا كانت الخلافات لا تزال محصورة في بعض الملفات أو الإجراءات الميدانية، فهل تبقى كذلك أم أنها مرشحة للتوسّع مع اشتداد الضغوط والتحدّيات المقبلة؟
الأخطر من ذلك أن أي شرخ داخل البيئة الشيعية لن يبقى شأناً داخلياً يخص طرفين سياسيين فحسب، بل ستكون له انعكاسات مباشرة على مجمل الوضع اللبناني. فالتوازنات الطائفية والسياسية القائمة منذ عقود ترتكز إلى تفاهمات دقيقة، وأي اهتزاز في أحد أعمدتها الأساسية قد يفتح الباب أمام مرحلة من الفوضى السياسية وإعادة خلط الأوراق على مستوى الدولة ومؤسساتها واستحقاقاتها الكبرى.
من هنا، فإن ما يُتداول اليوم لا ينبغي التعامل معه كخبر محلي محدود أو كخلاف عابر بين حليفين. فالتاريخ اللبناني يعلّمنا أن الانهيارات الكبرى تبدأ غالباً بإشارات صغيرة يتجاهلها الجميع في بداياتها. وما يبدو اليوم مجرد تباين في إدارة بعض المناطق قد يتحول غداً إلى عنوان لصراع أوسع على النفوذ والدور والمستقبل.
لبنان يقف أمام مفترق دقيق، والمنطقة بأسرها تشهد إعادة تشكيل لتوازناتها السياسية والأمنية. وفي خضم هذه التحوّلات، فإن أي تصدعا داخل القوى الممسكة بالواقع اللبناني قد لا يكون مجرد تفصيل عابر، بل مقدمة لمرحلة جديدة تحمل معها تغيرات عميقة قد تطال بنية النظام السياسي نفسه.
* حزب الحوار الوطني