في خطابه الجنوبي (بمجموعه وليس بجزء منه) بدا الرئيس نواف سلام ابن البيئة عينها، عنيداً بوجه الإحتلال وعتاته، أميناً على وحدة أراضي الجمهورية اللبنانية، مترفعاً عن الطوائف، يهدُج فقط بإسم الشعب بلا تمييز..فكان بهذا المعنى بين أهله، وفي بيته من صور إلى بنت جبيل، ومن يارين ورميش والقرى المسيحية الى قرى الحافة الأمامية ذات الأغلبية الشيعية. لمس، وهو ليس غريباً عن القضايا الوطنية، مما في ذلك قضية فلسطين مدى عشق الجنوبيين شيعة وسنة، مسيحيين (موارنة وأرثوذكس وكاثوليك) ودروز للأرض والثمار، ومدى تطلع الشعب الجنوبي، بأحيائه وشهدائه «لريحة الدولة» والحاجة الى المظلة الرسمية، يتوسطها العلم، يرفرف مع الجيش الوطني على أرض الوطن، أو أرض الجنوب الذي تزامنت مأساته، مع اغتصاب أرض فلسطين، ولجوء الفلسطينيين الذين كانوا موعودين بالعودة بعد 48 ساعة عندما غادروا منازلهم أو طردوا منها بالعودة إليها دون جدوى.
ولمس الرئيس نواف سلام، الذي لا يملك سلاحاً، أو حزباً مسلحاً أو قبيلة مقاتلة، مدى حرص الجنوبيين على شخصه وتمسكه بالخطوة الكبيرة في الوقوف قبالة جنود الاحتلال في التلال المحتلة قبالة الظهيرة ومارون الراس وعيتا الشعب وعيترون، مؤكداً على الإعمار، وإعادة الإعمار كشرط لا تكتمل السيادة إلاّ به، ومشيراً، بما لا يقبل الإلتباس أن حكومة لبنان التي يرأسها لن تأبه بالتهديدات ولا تنتطر إذناً من الإحتلال أو تنتظر استكمال انسحابه للمباشرة بخطوات الترميم وإعادة الإعمار لمّا تتوافر له الإمكانيات المالية.
لمس الجنوبي، الذي قدَّم الشهداء والجرحى، وعانى بدءاً من العام 2023ويلات القصف والتهجير والنزوح أن الدولة هي ملاذه الأخير من الأمن الى الخدمات والدفاع، والنظرة الكلية إلى وحدة الانتماء والمصير..
مع زيارة الرئيس سلام الى القرى المدمَّرة والطرقات المحفَّرة، والمدارس التي ذهب بكل ما فيها طيران الحرب المعادي، الاسرائيلي، بدا المشهد الجنوبي مع الدولة، في حالة مصالحة ووحدة ارتباط كارتباط الابن أو البنت بأهله أو أهلها، وكارتباط المؤمن بدينه وطقوسه..
وسط الجموع التي أحاطت به كان رئيس مجلس الوزراء يتكلم بعفوية وتشعبية، بعيداِ عن حصر السلاح، (وهو يعرف أين يتكلم) عن الصمود والإعمار وخدمات الكهرباء والطرقات والمواصلات والمياه وكما بين المواطن الثابت في أرضه من الثبات أكثر، ودعوة النازحين (124 ألف نازح) الى العودة الى القرى والبلدات، بعد التعهد بتأمين الإيواء وسوى ذلك..
كان الجيش اللبناني هناك، بين أهله الجنوبيين، وهم المسكنون بحبه، والإعتماد عليه للحفاظ على الأرض ودرء الإعتداءات عنها.
كان رئيس مجلس الوزراء مدركاً لحجم خطوته بالجولة الموسَّعة في قرى الأقضية الجنوبية جنوبي نهر الليطاني، حيث استعادت الدولة اللبنانية سيادتها بقواها الذاتية(الجيش السيطرة على الأرض وبسط سيادة الدولة)، معتبراً أن الزيارة هي بمثابة رسالة بوجه الإعتداءات الاسرائيلية.
وبكلمات قليلة: هذه الأرض لنا.. ودولة لبنان الكبير هنا جنوبي الليطاني من رأس الناقورة الى حضن جبل الشيخ من مرجعيون وحاصبيا والخيام الى شبعا وكفرشوبا وسائر قرى العرقوب اللبناني..
هنا دولة لبنان الكبير، سترجع السيادة على أرض الصمود في الجنوب..
كان نواب حزب االله وحركة أمل في مقدمة مستقبلي الرجل الذي مرَّ فدائياً ذات يوم من هناك، وها هو يخاطب أهله وأبناء جلدته من يارون الى بنت جبيل بلغة الدولة الصامدة، الساعية لإنهاء الإحتلال، وما نجم من ممارسات، إن على مستوى الأسرى أو على مستوى النقاط المحتلة أو مشاهد الدمار المرعبة.. وخلف هذا «الدمار العظيم»،والعبارة من إحدى أغاني الفنان الوطني مارسيل خليفة...وقفة رجل، يطمح الى رؤية التاريخ، يؤرخ لمسيرته في رئاسة الحكومة، تقول: الدولة هنا.. «العدوان كشي برا».
كرّست الجولة الواسعة، المخطَّط لها صدقية قوية، تنتظر الترجمة على الأرض وفقاً للإمكانيات المتاحة من أموال الإعمار والإيواء وإعادة الكهرباء والمواصلات.
عكست كلمات رؤساء البلديات والمجالس البلدية الحاجات الملحَّة، فاستمع إليها رئيس الحكومة مع فريقه، ودوَّنها بالتفصيل، على أن تنبري الجهات المعنية بالدفع والمتابعة من الهيئة العليا للإغاثة الى مجلس الجنوب، وسائر المؤسسات المختصة للقيام بالوظائف المناطة بها..
لا يمكن القول بأن بين الدولة والجنوبيين ربط نزاع، بل وحدة هدف ومصير.. في مرحلة عصيبة تمرُّ بها منطقة الشرق الأوسط، ولبنان في قلب مشاكلها، بدءاً من أرض الجنوب، المهدَّدة بالعدوان الاسرائيلي..
والأهم في مجريات زيارة رئيس الحكومة في 7 و 8 شباط الى الجنوب أنها جاءت في خضم اشتغال مخيف للتكهنات والتحليلات حول مجريات التحديات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، لتتجاوز المخاوف، وترسي أبعاداً جديدة في مسار علاقات لبنان الدولة بما يحصل في الاقليم.. والتحرر تدريجياً من الإرتباط بأهداف لا تصب في صميم مشروع إعادة بناء الدولة، بدءاً من إعادة بناء ما دمرته الحرب الاسرائيلية ضد لبنان، والجنوب بوجه خاص.
وبصرف النظر عن مجريات ما قد يحصل فإن لبنان الدولة الساعية إلى إعادة النهوض، والبحث عن مكان لائق بين دول المنطقة، سلجت أهدافاً قوية في مرامي متعددة، أولها يتعلق بالخطط والطموحات الاسرائيلية على أرض الجنوب سواء عبر مفاوضات الميكانيزم والمنطقة الاقتصادية أو خلاف ذلك..
وفي الأفق، على أمل رؤية أموال الوعود تشق طريقها الى التنفيذ، ليطمئن الجنوبي الى مصيره، مع معادلة الأرض والشعب والدولة بقوانينها ودستورها وقواها المسلحة وإدارتها المحلية والرسمية، كمشروع قابل للحياة والاستمرار، أياً كانت ملابسات ما يجري أو ما يعدُّ للشرق الأوسط الباحث عن استقرار أو خلل جديد.